فهرس الكتاب
لمؤذن يؤذن استهزاءً لأذَانِهِ: مَنْ هذا المخرومُ [1] الذي يؤذنُ؛ استهزاءً» [2] كفر لاستخفافه بشعيرة الأذان.
وقد أشار الهيتمي إلى هذا بقوله: «ولو سمع أذان المؤذِّن [3] فقال: إنه يكذب أو صوت جرس وناقوس ونحوه، كَفَر ... ، واعترض بأنَّ أبا حنيفة صح عنه أنه قال: لا أكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب [4] ، وهذا الاعتراض في غاية السقوط» ، ثم أجاب رحمه الله بأجوبةٍ منها: فإنَّ كلام أبي حنيفة لا ينافي ذلك لِمَا مرَّ أن الاستخفاف بنحو أمره تعالى أو تصغير اسمه كُفرٌ عندهم، فأولى الاستخفاف باسمه، على أن قول أبي حنيفة المذكور ليس من خواص مذهبه، بل مذهبنا ذلك أيضًا، والتكفير هنا لم يأت من حيث ارتكاب الذنب بل من حيث استخفافه باسم الله المتضمن للاستخفاف به تعالى، وهذا لا يتوقف أحد في التكفير به [5] .
فبهذا يزول الإشكال والاعتراض السابق بكلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله، إذ الاستهزاء وحده كافٍ في إلحاق التكفير بفاعله عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
(1) قال في «مختار الصحاح» ، مادة (خ ر م) (ص 174) : «والأَخْرَمُ: الذي قطعت وترة أنفه أو طرف أنفه قطعًا لا يبلغ الجدع. وقيل: الأخرم: مثقوب الأذن» .
(2) «شرح بدر الرشيد» (ص 134 - 135) .
(3) في الأصل: «لو سمع أذان المؤمن» وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
(4) هذه العبارة ذكرها الإمام الطحاوي، توفي سنة (321 هـ) في عقيدته المشهورة، مقيدة بقوله: « ... ما لم يستحله» ، ثم شرحها الإمام ابن أبي العزّ الحنفي، توفي سنة (792 هـ) ، في «شرح الطحاوية» (ص 317) ، فممَّا جاء قوله: «ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنّا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج، وفرّق بين النفي العام، ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ... » . وانظر: «الفقه الأكبر مع شرحه» (ص 136) للقاري.
(5) «الإعلام بقواطع الإسلام» (2/ 361) . وانظر: (ص 365، 388) من المصدر نفسه.