وهذه الأحكام كما أسلفت - المرجع فيها إلى المصدر المعصوم - كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يأتيه الباطل ولا يلتبس به مهما حاول أهل الباطل فعل ذلك.
وقد نص الله - تبارك وتعالى - على حكم مجالسة المستهزئين بنفسه وبيّن ذلك أوضح بيان كما فعل سبحانه في كثير من الأحكام الشرعية، قال - جلا وعلا: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] .
يقول ابن كثير رحمه الله: «أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه فلهذا قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} في المأثم ... » [1] .
والإشارة في قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ ... } إلى ما ورد في سورة [الأنعام: 68] من قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [2] .
يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري رحمه الله عند آية النساء: «وفي هذه الآية، الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة، عند خوضعهم في باطلهم.
(1) «تفسير القرآن العظيم» (1/ 861 - 862) .
(2) انظر: «معالم التنزيل» (1/ 491) للبغوي، و «زاد المسير» (2/ 228) لابن الجوزي، و «فتح القدير» (1/ 526) للشوكاني، و «أضواء البيان» (1/ 377) للشنقيطي.