عمر نفسه عرضت عليه الإمامة فيمن عرضت عليهم عند مقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 فهرب منها كما كان يهرب منها طلحة والزبير وعلي [1] ، ولم يتولها علي إلا قيامًا بواجب، ولم يستمدها من خرافات المتحزبين وسخافاتهم، بل من إرادة الأمة في ذينك اليومين (الخميس 24 ذي الحجة، والجمعة 25 منه) كما أعلن ذلك على رءوس الأشهاد وهو واقف على أعواد منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] . فعليٌّ إلى تلك الساعة لم تكن له شيعة خاصة به، يعرفها وتتصل به، ولم يخطر قط على باله أن يجعل أحدًا من الناس شيعة له، لأنه هو نفسه وسائر إخوانه من الصحابة كانوا شيعة الإسلام الملتفة حول خلفاء نبيها - صلى الله عليه وسلم - أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. ولو حدثته نفسه باتخاذ شيعة خاصة به غير جمهور الأمة الذي يتشيع للبيعة العامة لكان ذلك نقضًا منه لما عقد عليه صفقة يمينه لإمامه، وما طوق به عنقه من بيعة الإسلام لأصحابها. ولا شك أنه استمر على ذلك إلى عشية الخميس 24 من ذي الحجة سنة 35 للهجرة، وكان أهلًا لأن يستمر على ذلك بأمانة وإخلاص. ولو لم يكن علىٌّ
(1) انظر نصوصًا عن إباء عبد الله بن عمر عن قبول الخلافة في الطبقات الطبري لابن سعد (4/ 151) .
(2) تاريخ الطبري (4/ 346) والخطبة من طريق سيف بن عمر عن شيوخه.