فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 183

السابقة:

{أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } .

(ج) وقد علّم الله موسى أن يُمهّد لفرعون بمقدِّمات العرض الرفيق جدًّا، قبل أنْ يوجِّه له الدَّعوة المقصودة، وهي أنْ يتزكّى أي يتطهّر من الكفر والطغيان والظلم والعدوان.

فقال له كما جاء في سورة (النازعات) :

{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) } .

فأدب الدعوة العظيم بلغ به الأمر إلى ادّعاء الربوبيّة، قد اقتضى اتّخاذ الحكمة في دعوته، بتقديم مقدمات العرض الرفيق المهذّب جدًّا، دلَّ عليها في النص: {هَل لَّكَ إِلَى أَن} .

لقد كان يكفي أنْ يقول له: أدعوك أنْ تزكّى. أو يكرّمه قليلًا بصيغة العرض الاستفهامي: هل تتزكَّى، أو يكرمه أكثر فيقول له: هل ترى أن تتزكّى، أو نحو ذلك.

لكنّ الله علّم موسى أنْ يفرش لفرعون مقدّمات تكريم أكثر تناسب مكانة فرعون في قومه، وقد جاء التعبير عن هذه المقدّمات الطويلة نسبيًّا بقوله: {هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} .

فأطال المقدّمات بحسب عادات القوم، واختصر المطلوب الأساسي، فقال {تَزَكَّى} بدل {تتزكّى} .

(2) والمقارنة تكون بإلباس الفكرة المقصودة ثوبًا من فكرة أخرى تقبَّلها المخاطب أكثر من تقبُّلِه الفكرة المقصودة عارية مجرّدة.

وتطبيق ذلك يكون باستخدام الأساليب غير المباشرة التي سبق شرحها بتفصيل.

(3) والتذييل يكون بعرض الأفكار المقصودة بالذّات أوّلًا، وإتباعها بما يُزّينها ويجعلها مقبولة.

كالإِتيان بالفكرة ثم بإتباعها بالاستدلال عليها استدلالًا براهانيًا أو دون ذلك. بإتباعها بالوعد المحبوب ترغيبًا بها، بالوعيد المكروه ترهيبًا منها وتحذيرًا. أو بإتباعها ببيان دواعيها المنطقيّة، أو دواعيها الالتزاميّة، ومن الدّواعي الالتزاميّة التذكير بعهد الإيمان والإِسلام، أو بسوابق الوعود والعهود، ونحو ذلك.

والأمثلة القرآنية على هذا النوع كثيرة جدًا.

فمنها قول الله تعالى في سورة (النور) :

{وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُو ا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُو ا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22) } .

فأَمَر الله عزّ وجلّ بالعفو والصفح، ثمّ أتبعه بعرضٍ فيه الوعد بالمغفرة لمن يعفو ويصفح. ونجد في القرآن آيات كثيرةً مختومة بنحو قوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} . {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} . {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} . {َإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} ممّا يشير إلى الوعد أو الوعيد بعد بيان المطلوب من فعل وترك.

3 -الغرض الفكري البياني من الصورة البلاغيّة المختارة:

ليس يكفي إيراد الكلام وفق صورة من الصُّوَر البلاغيّة التي يذكرها علماء البلاغة، بل لا بدّ من ملاحظة غرض فكريّ بياني تؤديه هذه الصورة المختارة.

إنَّ الصورة البلاغية مهما كانت جميلة في ذاتها تغدو كجسد بلا روح إذا كانت خالية من غرض فكري بياني تهدف إليه في البيان، باستثناء عناصر الجمال اللّفظي أو الموسيقي، والزِّينات التي لا تحتمل أداء غرض فكريّ بيانيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت