ثم تأمل كلمة (النور) أنها بنورها تصور لك الهداية مصباحًا منيرًا ينير جوانب العقل و القلب و يوضح معالم الطريق أمام المهتدي فيصل في سهولة و يسر إلى الحق فينتفع به فيطمئن قلبه و تسكن نفسه و يحظى بالسعادة في دنياه و أخراه.
المبحث الثاني عشر
من روائع الكناية في القرآن الكريم
قال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} لقد كنى القرآن الكريم في هذه الآية بكلمة (الحرث) عن المعاشرة الزوجية.
إن هذه الكناية الفردية مما انفرد به القرآن الكريم فهي لطيفة دقيقة راسمة مصورة، مؤدية مهذبة، فيها من روعة التعبير و جمال التصوير، و ألوان الأدب و التهذيب ما لا يستقل به بيان، و لا يدركه إلا من تذوق حلاوة القرآن. إنها عبرت عن العاشرة الزوجية التي من شأنها أن تتم في السر و الخفاء بالحرث و هذا نوع من الأدب رفيع وثيق الصلة بالمعاشرة الزوجية، و تنطوي تحته معاني كثيرة تحتاج في التعبير عنها إلى آلاف الكلمات انظر إلى ذلك التشابه بين صلة الزراع بحرثه وصلة الزوجة في هذا المجال الخاص، و يبن ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، و ذلك النبت الذي تخرجه الزوج، و ما في كليهما من تكثير و عمران و فلاح كل هذه الصور و المعاني تنطوي تحت كلمة (الحرث) أليست هذه الكلمة معجزة بنظمها و تصورها؟
هل في مفردات اللغة العربية ـ على كثرتها ـ ما يقوم مقامها و يؤدي ما أدته و يصور ما صورته. إن المعنى لا يتحقق إلا بها. و عن التصوير لا يوجد بسواها.
قال تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} الناس و الحجارة.
هذه الآية كناية عن عدم العناية عند ظهور المعجزة. أي لا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من جمال التعبير، وروعة التصوير، و لطافة الإيجاز. إنها عبرت عن العناد عند ظهور المعجزة بالنار العظيمة، و هذا التعبير فيه ما فيه من شدة التنفيذ و قوة التأثير، ثم أن هذا التعبير قد أبرز لك هذا المعنى الفكري المجرد في صورة محسوسة ملموسة و لم يقف عند هذا الحد من التجسيم والتشخيص بل تعداه إلى التصيير و التحويل. فحوله على نار ملتهبة متأججة متوهجة بل تعداه إلى أعجب من هذا التصوير، و لا أروع و ألذ من هذا التعبير؟ إنه الإعجاز يلبس ثوب الكناية فتنحني له هامات البلغاء، و يثير في النفس أسمى آيات الإعجاب.
قال تعالى: {وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} سورة البقرة 235.
في هذه الآية كنى القرآن الكريم عن الجماع بالسر. تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من اللطائف و الأنوار و الأسرار. إن في الكناية بالسر عن الجماع من ألوان الأدب و التهذيب ما يعجز عن وصفه أساطير البيان، و فيها من جمال التعبير ما يسترق الأسماع و يهز العواطف و يحرك الأحاسيس و المشاعر. لقد ألبست الجماع الذي يتم في السر ثوب السر فذهبت بسر الفصاحة و البيان. أبعد هذا يقال أن الكناية في القرآن يستطيع أن يحاكيها بنو