الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ
-وقال الزمخشري جعل الله فاتحة سورة المؤمنين {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وأورد في خاتمتها: {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .
مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها
-مثال لذلك ما جاء بين سورة الفيل وقريش حتى أنك لنجدها متعلقة بها لفظًا مع المعنى. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} في نهاية الفيل {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} في فاتحة قريش. إنه تقدير العزيز العليم.
-مثال آخر لما ختم سورة النساء أمرًا بالتوحيد والعدل بين العباد {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بعد أن ذكر أنصبة وميراث أصحاب الحق من الورقة.
-جاء قوله في أول المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... }
المبحث الخامس عشر
القرآن وإعجازه البياني
قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث، فمنذ تلا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في قومه ما تلقى من كلمات ربه، أدركت قريش ما لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته و ذوقها الأصيل، سليقة و طبعًا، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر.
من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش، على أن يحولوا بين العرب و بين سماع هذا القرآن. فكان إذا أهل الموسم و آن وفود العرب للحج، ترصدوا لها عند مداخل مكة، و أخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد إلا حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء و أبيه و أخيه، و بين المرء و زوجه وولده و عشيرته.
و ربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقًا و مبايعًا، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر.
حدثوا أن"عمر بن الخطاب"خرج ذات مساء متوشحًا سيفه يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و رهطًا من أصحابه، في بيت عند"الصفا"سمع أنهم مجتمعون فيه، فلقيه في الطريق من سأله:
ـ أين تريد يا عمر؟
أجاب: أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش و سفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله.
قال له صاحبه:
ـ غرتك نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟
سأله عمر، وقد رابه ما سمع:
ـ أي أهل بيتي تعني؟
فأخبره أن صهره و ابن عمه"سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"قد أسلم.
و كذلك أسلمت زوجته، أخت عمر"فاطمة بنت الخطاب".
فأخذ"عمر"طريقه إلي بيت صهره مستثار الغضب، يريد أن يقتله و يقتل زوجته فاطمة. فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سورة طه، فدخل يلح طلب الصحيفة التي لمح أخته تخفيها عند دخوله ....