فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 183

الإنسان؟ أبدًا و الله إن بني الإنسان من المعجز بحيث لا يمكنهم فهم ما تنطوي عليه الكناية في القرآن من الأسرار.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} سورة آل عمران.

كنى القرآن الكريم في هذه الآية بنفي التوبة عن الموت على الكفر. تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من الجمال و الروعة. ألا تحس أن التعبير الذي كنى به القرآن أجمل من أي تعبير آخر؟ ألا تحس أن في هذا التعبير إيجاز لطيف؟ إن التعبير بجماله و إيجازه و بديع نظمه فوق مقدور البشر.

قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} سورة الفيل. كنى القرآن الكريم (بالعصف المأكول) عن مصيرهم إلى العذر فإن الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك.

تأمل هذه الكناية إن فيها من ألوان الأدب و الجمال ما لا يستقل به بيان، و فيها من الإعجاز اللطيف ما يعجز عن وصفه مهرة صناع الكلام. أما الأدب و الجمال ففي التعبير عن العذرة بالعصف المأكول و هذا التعبير مما أنفرد به القرآن فلا يوجد في غيره، و أما الإيجاز اللطيف ففي اختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير. و فيها زيادة على ذلك التلازم الوثيق بين اللفظ و المعنى الكنائي الذي لا يتخلف أبدا فإن العصف المأكول لابد من صيرورته إلى العذرة.

فالمعنى لا يؤدي إلا بهذا اللفظ لا يصلح لهذا المعنى حتى لتكاد تصعب التفرقة بينهما فلا يدري أيهما التابع؟ و أيهما المتبوع؟ و من هنا يأتي الإعجاز.

قال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} سورة الإسراء. كنى القرآن الكريم في هذه الآية بغل اليد إلى العنق عن البخل، و ببسطها كل البسط عن الإسراف. تأمل الكنايتين تجد فيهما من روائع البيان ما لا يحيط به فكر إنسان فيهما جمال في التعبير، و روعة في التصوير، و إيجاز و تأثير، و تنفير.

حدثني بربك ألا ترى أن التعبير عن البخل باليد المغلولة إلى العنق فيه تصوير محسوس لهذه الخلة المذمومة في صورة بغيضة منفرة؟ فهذه اليد التي غلت إلى العنق لا تستطيع أن تمتد، و هو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد بإنفاق و لا عطية. والتعبير ببسطها لك البسط يصور هذا المبذر لا يبقى من ماله على شيء كهذا الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء. و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء. و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قويًا مؤثرًا ثم تأمل التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبدًا بين التعبير و المعنى الكنائي. إن هذا التلائم يدلك على أن المعنى الكنائي لا يمكن تأديته و تصويره إلا بهذا التعبير، و أن هذا التعبير لا يصلح إلا لهذا المعنى. هل في مقدور البشر أن يحاكوا هذا الأسلوب؟

المبحث الثالث عشر

من بديع القرآن

أولًا: المحسنات المعنوية

ثانيًا: المحسنات اللفظية

إن علم البديع يضفي جمالًا وتحسينات على الجملة من خلال المعنى واللفظ وهو في القرآن الكريم كثير ولكنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت