عن المقصود بالبيان.
ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لنمرود في محاجته له، كما جاء في سورة (البقرة) :
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ... } [الآية 258] .
أي: هو الذي يكون بخلقه الإِحياء والإِماتة.
المثال الخامس:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (آل عمران) :
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (13) } .
أي:"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ"مؤمِنَةٌ {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الطَّاغوتِ {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْن} .
فَحُذِف الوصف وهو لفظ"مؤمنة"في الأوائل لدلالة مقابله في الأواخر لفظ"كافرة"وحُذِفَ من الأواخر جملة"تقاتل"في سبيلِ الطاغوت"لدلالة مُقَابِله في الأوائل، وهي جملة"تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ"."
وَهذا الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر، ومن الأواخر لدلالة الأوائل يُسمَّى"الاحْتِبَاكَ"إذا اجتمع الحذفان معًا، وله في القرآن نظائر، وهو من إبداعيات القرآن وعناصر إعجازه.
المبحث التاسع
التقديم والتأخير في القرآن الكريم
-التقديم: سمة أسلوبية لها عظيم الأثر في روعة الأسلوب وإبرازه في صورة حكيمة من الوفاء بالمعاني ومطابقتها لمقتضى الحال. وهو من أمور الفنون على كشف خبايا النفوس وسير غورها. ويطوّع المعاني للاعتبارات المناسبة التي يراها البليغ حريًّة بالكلام وقد أولاه علماء البلاغة عناية فائقة باعتباره أحد أصول علم المعاني الذي به تعرف أحوال اللفظ العربي التي يطابق مقتضى الحال.
-وإذا كان من الجائز أن يتقدم بعض أجزاء الجملة على بعض، فقد حرص القرآن على أن يكون هذا التقديم، مشيرًا إلى مغزى، دالًا على هدف، حتى تصبح الآية بتكوينها، ما تجد فيه النفس واجب التقديم وهو أفضل من تأخيره وما آخر واجب التأخير وأفضل من أن يقدم وقد يدعو بعض البلاغيين هذا بالاختصاص مثال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن الله وحده أهل العبادة ومنه وحده تستمر المعونة، وفي قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} ألا ترى أن الجحيم وهذه السلسلة، لن يفلت منها أبدًا هذا العاص الأثيم.
-وقوله تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فتقيم شاخصة على أبصار يصورها لك وكأن كل صفحة أخرى لها قد انمحت ولم يبق لها سوى الانفتاح الذي يؤذن بالخوف والذهول معًا.
-وكذلك كان نفي الغول مقصوراُ على خمر الآخرة دون خمر الدنيا دل على ذلك قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ*لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ}