فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 183

-إن التقديم في القرآن لم يأتي للاحتفاظ بالموسيقى والتناسق اللفظي فحسب بل يكون المعني أصلًا فيه.

-قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} فإن هذا التقديم والتأخير لم يكن للموسيقى والفواصل كما قالوا بل يتعداه إلى المعنى فإنهم قالوا أصل الجملة (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) فإن كان لذلك خرجت عن نسق الآيات السابقة واللاحقة ولعل تقديم النفس على موسى لبيان أن ذلك كان شعورًا خفيًا لم يظهر على موسى للعيان ولو كان حسب التأويل وقدم موسى فإن موسى تشمل الجد والنفس معًا فكان اللفظ يفيد الإظهار لهذه الخيفة على وجه موسى ... والله أعلم.

-وتقديم السبب على المسبب في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن العبادة وسيلة لطلب الحاجة. وتقديمها أنجح في توقع حصولها (الحاجة) وفي قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} فتقديم ذكر البلدة الميتة لأن حياة الأنعام من حياتها فمن نباتها تأكل وتنمو وتقدم الأنعام على الأناسي لأن حياة تلك حياة هؤلاء. وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قدم التوبة على الطهارة.

-وتقدم الكلمة لتقدم زمنها أو العمل مثال ذلك في آل عمران: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ*مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} تقديم الزمن التوراة ثم الإنجيل ثم الفرقان وقال في آل عمران: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} جاءت الآية بتقديم السجود على الركوع وفعل الركوع أسبق في الصلاة فقد اشتملت الآية في بدايتها أركان الصلاة من القنوت الوقوف حتى السجود والركوع من بينها ولكن عندما أراد أن يذكر صلاة الجماعة والدخول في جملة المصلين قال اركعي مع الراكعين.

قال الزركشي كان في زمانهم أناس يقنتون ويسجدون بلا ركوع وآخرون يركعون وهكذا يصلون فأمرها أن تركع مع الفئة التي من صلاتها وكذلك أن تكون في جماعة المصلين.

وقال أبو السعود: أمرت الصلاة وإطالة القيام فيها وأمرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغة في إيجاب رعايتها ... وتقديم السجود على الركوع إما يكون مراتب الخضوع في شريعتهم كذلك أو الكون السجود أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع قال - صلى الله عليه وسلم - أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فالتقديم هنا للأفضلية والشرف.

مثال آخر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} تقديم العمل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} وكذلك أعمال الوضوء

-وتقديم من العدد القليل إلى الكثير. قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ... }

-وتقديم الكثير على ما دونه ولهذا قدم السارق على السارقة في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... } لأن السرقة في الذكور أكثر. وكذلك قدم الأزواج على الأولاد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... } لأن العداوة في الأزواج أكثر منها الأولاد، وقدمت الأموال على الأولاد في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لأن الأموال أكثر فتنة من الأولاد.

-التقديم لشرف المقدم وعلو رتبته لذلك قدم اسم الله تعالى في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} و {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} وأما قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} فلأن الكلام السابق كان حديثا عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت