المبحث السادس عشر
منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل وفي حكاية الأقوال والأحداث والقصص)
(المقولة الأولى: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل)
التنويع في أساليب البيان القرآني
يلاحِظُ الأديب ذو الحسّ الأدبيّ المرهف التنويعَ العجيبَ البَدِيع في أساليب الأداء البيانيّ القرآنيّ، حتَّى في عَرْض الأقسام أو الأنواع الّتي تدخُلُ في مَقْسِمٍ واحِدٍ، أو جنْسٍ واحد، أو تدخُل تحت عنوانٍ واحد، إيثارًا للجمال الْفَنّيِ بالتنويع الْمُجَدِّد لِتَنْبِيهِ الفكر، أو إيثارًا للتّجديد في الإِبداع الاختياريّ، مع كلّ نَوْعٍ أَوْ قِسْمٍ أو صِنْف، فمِنْ شأن التجديد تحريكُ الذهن في مُخْتَلِفَاتٍ من الأساليب، والتمكينُ من وضْعِ أفكارٍ وأغراضٍ بيانيّةٍ وتَرْبويّة في ظلال النَّصّ، تُكْتَشف حينًا بعد حين، كلّما تكرّرَتْ قراءة النّص، أو تكرّر سَمَاعُه، مع إعطاء النّصِّ في موضوعه تفرُّدًا بصياغته الكليّة، كتفرُّد كلِّ مخلوقٍ من مخلوقات الله عزّ وجلّ بهَيْكلٍ وسِمَاتٍ خاصّةٍ تميّزه عن غيره من أفراد جنسه، ونوعه، وصنفه، مراعاةً للإِبداع الاختياريّ في الأفراد، والأصناف، والأنواع، والأجناس، وربّما في كُلّ جزءٍ من أجزاء الفرد الواحد.
وقد يَقْتَرِنُ بإيثار الجمال الفنّيِّ غَرَضٌ بيانيٌّ آخر، كاخْتيار الأُسْلُوب الأَكثرِ مُلاءمةً للْقِسْم أو النَّوعِ أو الصِّنْفِ أو الْفَرْدِ الذي جرَى التنويعُ في الأسلوب عنْد ذكْرِه، أو الأُسْلُوبِ الأكثرِ مضامينَ فكريّةً يُرادُ الدَّلاَلَة عَلَيْها مَعَ ذِكْرِهِ، أو الأَكْثرِ بَلاغةً وإيجازًا واقتصادًا في العِبارَةِ بالنّسبةِ إلَى مَضَاميِنه الفكريّةِ الّتي يُرادُ بَيَانُهَا، إلى غير ذلك من أغراض.
والْغَفْلَةُ عن مُلاحَظَةِ هذا التنويع في أساليب الأداء البياني، تَجْعَلُ المتدبر لكلام الله عزّ وجلّ لا يُدْرِكُ الترابُطَ الفِكْريَّ في موضُوع النَّصّ، فَيَفْهَمُه وحَدَاتٍ مُجَزَّآتٍ غَيْرَ مُتَرابِطاتٍ، وتَنِدُّ عنْه بسبب ذلك روائِعُ مَفَاهِيمَ، وقَدْ يَقَعُ في أغَالِيطَ، إذْ يُحَاوِلُ أنْ يَنْتَزِعَ ارتِبَاطًا منْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ لأدْنَى مُنَاسبَةٍ، أوْ شُبْهَةِ مُنَاسَبَةٍ، أوْ يخْتَرِعَ منْ عنده أُمورًا لا أصْلَ لها ولا دليلَ عليها.
وفيما يلي طائفة من الأمثلة على ظاهرة التنويع في أساليب الأداء البيانيّ في القرآن:
المثال الأول:
عرَضَ القرآن المجيد ما كان في غزوة الأحزاب من المنافقين وضعفاء الإِيمان الذين في قلوبهم مرض، من أقوال وأعمال، هي مظاهر لما في قلوبهم، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأحزاب) :
{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} .
هذا قِسْمٌ ممّا كان منْهم بأسْلُوب: {وَإِذْ يَقُولُ} بإِذْ الظَّرْفِيَّة، أي: واذْكُرْ إذْ، وبالفعل المضارع {يَقُول} الذي يَدُلُّ على أنّ المقالة دارَتْ على الألسنة حتَّى شاعتْ، فقالها المنافقون، وقالَها تأثّرًا بهمُ الّذين في قُلوبهم مرضٌ دُونَ النفاق، وهو مرضُ ضعيفِ الإِيمان.
* أمّا القسم الثاني ممّا كان منهم فقد جاء أسلوب عرضه كما يلي:
{وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ... } [الآية:13] .
فجاء بأسلوب: {وَإِذَ قَالَ} بإذْ الظرفيّة، أي: واذْكُرْ إِذْ، وبالفعل الماضي {قَالَ} الّذِي يَدُلُّ عَلى أَنَّ هذه المقالة قد قِيلَتْ منْ طائفةٍ منْهم، ثُمَّ لم تتكرّر، ولَمْ تَدُرْ عَلى الأَلْسِنة.
* وأمّا القسم الثالث ممّا كان منهم فقد جاء أُسْلوب عرضه كما يلي:
{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا} .
فجاء بأسْلوب: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ} بصيغة الفعل المضارع، للدلالة على تكرار الاستئذان من أفراد هذا الفريق، أو