وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) سورة البقرة
إلى غير ذلك من معانٍ لطيفة يمكن أن يُشارَ إليها بالإِضافة.
المبحث الثامن
(الذكر والحذف)
(1) مقدمة
* كل ما يُرادُ الإِعلامُ به من عناصر الجملة في اللّسان العربيّ، فالأصل بالنِّسْبَةِ إليه أنْ يُذْكر ولاَ يُحْذَفَ، لأنَّ ذِكْره دليلٌ على إرادة الإِعْلامِ به، أمّا حَذْفُه فهو دليلٌ على عدم الإِعْلامِ به.
* هذا هو الأصلُ في الآليَّة المادّيّة لبناء الكلام الدّالِّ على المعاني الّتي يرادُ الإِعلامُ بها، إذا عَزَلْنا قُوى الإِدْراكِ اللَّمْحِيّ والإِشاريّ، وقُوى الاستدلالِ بقرائِن الأحوال وقرائن الأقوال، لدَى مُتَلقِّي الخطاب، ولا سيما أهلُ الفطانة والذّكاء وأهل الخبرة في حِيَلِ المعبِّرين عمّا في نفوسهم بأساليبِ وطرائق الكلام المختلفة، فهؤُلاءِ يكفيهم الرّمز وتُقْنِعُهم الإِشارة عن صريح العبارة.
ورَمزَ وفْدُ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة في غزوة الخندق، بقولهم له:"عضَل والقارة"أي: غَدَرَ بَنُو قريظة كما غدرت من قبلُ"عَضَلٌ والقارة".
* ونلاحظ أنّ في كثيرٍ من الجمل العربيّة محاذيفَ واجبَة الحذف أو جائزَته، قد لوحظ فيها أن المحذوف هو من الأكوان العامّة الّتي تُفْهَمُ بالْفِطْنَة دون أن تُذكَر، أو من الضمائر التي يُوجَدُ في الملفوظ من الكلام ما يَدُلُّ عليها، أو ممّا يسْهُلُ إدْراكُه ولو لم يُوجدْ في الكلام لفظ خاصٌّ يَدُلُّ عليه.
وقد اعتاد أهل اللّسان العربيّ على حَذْفِها دوامًا، أو أحيانًا، لأنّ اللٍّسان العربيَّ مَبْنِيٌّ في مُعْظَم تعبيراته على الإِيجاز، وحذْفِ ما يُعْلَم ولَو لَمْ يُذكر، وهذا من مزايا اللّغة العربيّة.
* وحينما يكون المتكلّم العربيّ الْبَلِيغُ أمام احتمالَيْنِ جائزيْنِ في اللّسان العربي كالذِّكْر والحذف، ويَرَى أنَّ كُلاًّ منهما يُحَقِّق توصيل ما يُريدُه من المعاني، إلاَّ أنّ أحدهما أكْثَرُ تأثيرًا في المخاطب بحسب حاله، أو أكثر جمالًا لدى ذوّاقي الجمال في الكلام، أو يراه يُحَقِّق له غرضًا بلاغيًّا لا يحقِّقُه له الاحتمال الآخر، فإنّ عليه أن يكون دقيق الملاحظة في خصائص الاحتمالات وفُروقِ دلالاتها، ويُحَدِّد منها ما يدعوه إلى ما يختار من ذكر العنصر من عناصر الجملة التي يُنْشِئُها أو حذفه.
فإذا ذَكَرَ العنصُرَ وكان بالإِمكان إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يَذْكُرْه، فينبغي أن يكونَ ذكره له مستندًا إلى داعٍ بلاغيٍّ رجَّحَ لَدَيْه ذكْره.
وإذا حذَفَ الْعُنْصُرَ الذي يُمْكن إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يذكُرْهُ، فينبغي أن يكون حذفُه له مستندًا إلى داعٍ بلاغيٍّ رجّح لَدْيه حَذْفه، وأدنَى ذلك الرغبةُ في الإِيجاز والاقتصادِ في القول، والبُعْدِ عن الإِسراف فيه، وإيثار جِسْمٍ للعبارة مُكْتَنِزٍ مُضمِّرٍ، على جِسْمٍ مُتَرَهِّلٍ مُنتَفخٍ لا رصانة فيه ولا قُوّة ولا جزالة.
فلكلِّ من الذكر والحذف مقامٌ ينَاسِبُه، وحالٌ تقتضيه.
* وقد نَبَّه البلاغيُّونَ على طائفةٍ من دواعي الذكر، وطائفةٍ أخرى من دواعي الحذف، وأشاروا إلى أنّ ما ذكروه من ذلك لا يُمَثِّل إحصاءً شاملًا لكلِّ الدواعي، وإنّما يُقَدِّم صُورًا ونماذج يمكن أن يهتدي بهديها الباحثون، ويَحْذوا حذوها،