فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 183

وأن تكون لديهم منطلقاتٍ للبحث الذكيِّ الفطن اللّماح في هذا المجال.

(2) دواعي ذكر العنصر مع إمكان إدراك معناه لدى حذفه:

ذكر البلاغيّون طائفةً من دواعي ذكر العنصر الذي يُراد الإِعلام به من عناصر بناء الجملة، مع إمكان فهم معناه العامّ لدى حذفه، وهذه الدواعي تُحَقّق أغراضًا بلاغيّة يَهْدِفُ إليها المتكلمّ البليغ.

الداعي الأول: الاحتياط بذكر العنصر، لضعف التعويل على القرينة فيما لو حُذِف، إذْ تكون القرينة غير كافية للدلالة عليه، ويخشى المتكلّم أن يَلْتَبِسَ المرادُ على المتلَقِّي إذا حذفه تعويلًا على القرينة التي يمكن أن تدُلَّ عليه.

الداعي الثاني: الإِشعار بغباوة المخاطب، وأنّه ليس من الّذين يُدْرِكون المراد بالقرائن، بل لا بدَّ من إعلامه باللّفظ الخاصّ الصريح الدّال على العنصر.

الداعي الثالث: إرادة زيادة الإِيضاح والتقرير، وذلك حين يكون الموضوع يقتضي ذلك، كأمور العقائد، وأحكام الحلال والحرام، والصِّيغ القانونيّة التي قد يتلاعبُ بمعانيها أصحاب الأهواء، ولا تكفي القرائن لإِلزامهم بالمعاني المرادة.

ويَحْسُنُ هذا الإِيضاح والتقرير في مجال تعليم مسائل العلوم، وفي الوعظ والإِرشاد، وفي مقام إثارة الحماسة وسائر العواطف، وفي البيانات والبلاغات العامّة للجماهير.

الداعي الرابع: إرادة التعظيم والتفخيم، ويظهر هذا في نحو الأسماء والألقاب التي يُشْعِر ذكْرُها بعظمة أصحابها وفخامتهم، وفيما يُثِير ذكرُه في النفوس المهابة أو الإِجلال.

الداعي الخامس: إرادة الإِهانة والتحقير، ويظهر هذا في نحو الأسماء والألقاب، التي يُشْعِرُ ذكرها بمهانة أصحابها وحقارتهم، وفيما يُثيرُ ذكْرُهُ في النفوس الاحتقار والاستهانة.

الداعي السادس: إرادة التهويل، ويظهر هذا فيما يُثيرُ ذكرُه في النفوس مشاعر الخوف والرهبّة.

الداعي السابع: إرادة استثارة ما في نفوس المتلقّين من كوامن المشاعر، كإثارة شوق المخاطب بذكر اسم محبوبه، وإثارة الشوق إلى الوطن، بذكر اسمه لدى المسافر البعيد عنه، المشوق إلى العودة إليه.

الداعي الثامن: إرادة التلَذُّذ، ويظهر هذا الداعي في الألفاظ الّتي يُحبُّ المتكلّم أن يُرَدِّدَها على لسانه، لأنّه يحبُّ مسمَّيَاتها، كاسم المعشوقة عند العاشق، واسم الذهب عند عشاقه.

ويقول الناس: من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره.

الداعي التاسع: إرادة التبرُّك، أو العبادة ويظهر هذا في الأدعية، والأوراد، والأذكار.

الداعي العاشر: إرادة ترسيخ ما يدُلُّ عليه اللّفظ في نفوس المتلقِّين، كألفاظ الأذان التي تعاد وتكرّر.

وكما يفعل مُرَدِّدو الشعارات، بغية ترسيخها في نفوس الجماهير، حتى تكون معانيها جزءًا من مفاهيمهم الثابتة.

الداعي الحاي عشر: إرادة بسط الكلام في المقام الذي يحسُنُ فيه بسط الكلام، كمقام الافتخار، أو المدح، أو الذمّ والتشنيع والتوبيخ، وكمقام التعليم، أو الترويج لفكرةٍ ما، أو الترغيب فيها، أو الترهيب منها.

الداعي الثاني عشر: إرادة التسجيل على المخاطب حتَّى لا يتأَتى له الإِنكار.

الداعي الثالث عشر: إرادة تأكيد الرّدّ على المخاطب إذا كان يُنْكِرُ صحة ما يقال له، مثل قوله الله عزَّ وجلَّ في سورة (يس) :

{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } .

لقد كان يمكن فهم المراد دون ذكر [يُحْيِيها] لكن اقتضَى الردُّ على سؤالِ منكر البعث بإحياء العظام وهي رميم، بأنْ يُقالَ له: يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت