لا تستطيع العقول بأنْفُسِها التوصّل إليها. وهنالك في الغيب علوم لم يُؤْتَ النّاسُ وسائل الوصول إليها، نبّهت على بعضها الوسائل الحديثة، ودلَّ على بحورها العميقة. قول الله عزّ وجلّ في سورة (الإِسراء) :
{وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (85) } .
ودلّ عليها قول الله عزّ وجلّ في سورة (لقمان) : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) } .
إنَّ المعاني كبحور عظيمة لها سطوح وشواطاء، وتحت السطوح أعماق، وتحت الأعماق أعماق أخرى، وتحت الأعماق أغوار، وتحت الأغوار أغوار سحيقة.
ومِنَ النّاس مَنْ يأخُذ من المعاني ما يصل إلى الشواطاء، ومنَ النّاس منْ يركب بحار المعاني ويجري على سطوحها، ويتناول منَ السطوح أو منَ العمْقِ القريب. ومنَ النّاس منْ يغوص إلى بعض الأعماق، ومنَ النّاس منْ يغوصُ إلى بعض الأغوار، ويتفاوت النّاس في نِسَب غوصهم، وكل منهم يستخرج منْ بحار المعاني على مقدار غوصه، وعلى مقدار استيعابه.
المبحث الثاني:
عناصر الجمال في المعاني:
أمّا عناصر الجمال في المعاني فمتنوِّعة، منها العناصر التالية:
العنصر الأوّل: تناسُق الأفكار وترابطها بوشائجها المنطقيّة دون إعنات للفكر، ثمّ تكاملها ولو مع طيّ بعض العناصر التي يمكن أنْ تفهم ذهنًا، ولا يشترط التعبير عن وشائج الترابط، بل ربّما يكون طيّ ذلك أحلى وأكثر جمالًا أدبيًَّا.
العنصر الثاني: الانتقال من الجذور والأصول في الأفكار إلى الفروع الكبرى فالصغرى فالأوراق والثِّمار. أوْ مِنَ الفروع إلى الأصول. أمّا الخلط من غير ترابط منطقي فهو قبيح تنفر منه الأذهان، لأنَّها لا تستطيع أن تُجريه في جداولها المنطقيّة الفطرية، ولأنّه يتنافى مع أُسلوب الطبيعة المنظَّمة بأبدع نظام.
العنصر الثالث: محاكاة الواقع بتصوير فنِّيِّ يُبْرِزُ الحركة والحياة والمشاعر، ويعبِّر عن مختلف أبعاد الواقع، ولا يقتصر على التصوير الجامد للأشكال والرسوم الظاهرة.
العنصر الرابع: الصدق في التعبير عن الحقيقة، أو عن المشاعر والأحاسيس، أو عن الآمال والرغائب، أو عمّا يسبح فيه الخيال متأثّرًا بمطالب النفوس، وشهواتها، ومطامحها.
العنصر الخامس: ما تشتمل عليه المعاني ممّا يحرّك في النّاس المشاعر الوجدانيّة أو النفسيّة الحلوة، والعواطف الوجدانيّة أو النفسيّة الحلوة، أو يرضي شهوات النفوس.
العنصر السادس: ما يُعجب الأذهان من إشراقات ذكاء، وأفكار جديدة مبتكرة، بشرط أنْ لا تكون قبيحة بطبيعتها.
العنصر السابع: ما يسرُّ الخيال ويعجبه ويُمْتِعُه ممّا يرضي الرغبات النفسيّة التي يتمنّاها الإنسان ويعجز عن الوصول إليها وتحقيقها:
(أ) فمن الحق والصدق ما هو جميل جدًا:
إنّ التصوير الفنّي الذي يُبرز في الكلام صورة الواقع المتحدَّث عنه، حتّى كأنّه مُشَاهَدٌ ملموس بحركته وحياته ورونقه وجماله هو من أرفع الأدب وأجمله، وكم من واقع هو أجمل وأكمل من الخيال.
وإنّ الكلام الذي يعبِّر عن الحقائق الفكرية المجرَّدة بطريقة مفهومة سهلة ليِّنة طيّعة في الفكر وفي اللسان، هو من أرفع الأدب وأجمله.