فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 183

وإنّ الكلام الذي يحدِّد الأحكام الشرعية أو الأحكام القانونية أو مسائل العلوم بوضوح، ودقّة تامّة، ورشاقة وعذوبة لفظ، هو من أرفع الأدب وأجمله.

وإنَّ الكلام الذي يعبِّر تعبيرًا صادقًا عن مشاعر النّفس الوجدانيّة أو التخَيُّلِيَّة لدى مُشاهَدةٍ طبيعية أو حادثة إنسانيّة هو من أرفع الأدب وأجمله.

وإنّ الكلام الحلو الذي يُرضي الآمال والمطامع النفسيّة، بإقناعات صادقات، أو بإقناعات توهِم بأنّها صادقات، فتستر بها عورات التلفيق والكذب، هو من أرفع الأدب وأجمله.

أمّا الكلام الذي تنكشف فيه عورات التلفيق والكذب فهو كلام قد تمجُّه النفوس، ولو سِيق لإِرضاء الآمال والمطامع النفسيّة.

وإنَّ الكلام الذي يَصْنَعُ قصصًا مقتبسة ممّا يجري في الواقع نظائرها، هو من أرفع الكلام القصصي وأجمله.

دعوى"أعذب الشعر أكذبه":

أمّا دعوى:"أعذب الشعر أكذبه"فهي دعوى لا أساس لها من الصحّة، لدى التحليل والبحث عن العناصر الجماليّة في الأدب.

إنّ الحقّ إذا لبس ثوبًا أدبيًّا جميلًا كان أجمل من الباطل لا محالة، مهما لبس من أثواب جميلة مزخرفة.

إنّ الحُلَّة والحِلْيَة الأدبيَّة اللَّتَيْن يرفل بهما قول الله تعالى في سورة (الرعد) :

{أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17) } .

للفكرة الحقِّ التي تبيّن واقع انتصار الحقّ والمحقِّين بعد أحداث الصِّراع بين الفريقين، أجمل من كل أدب يُزيِّن فكرة باطلة لتكون مقبولة محبَّبَة.

ربّما يكون تضخيم الحقّ وتجسيمه في الصورة الأدبيّة عملًا أدبيًّا جميلًا، لأنّ التضخيم والتجسيم في مفاهيم النّاس لون من ألوان البيان والشرح للحقيقة، وبعد الشرح ترجع الحقيقة في تَصَوُّرِ النّاس إلى حجمها الطبيعي.

إنّ الفكرة المشتملة على كذب سخيف ممجوج قد يستعذِبها الذهن لطرافتها، ولكن يمجّها الذَّوق والحسُّ المرهف العارف بألوان الجمال لسخافتها ومجافاتها للحقيقة مجافاةً واسعة المسافة.

في قول المتنبّي:

*كفى بجسمي نحولًا أنّني رجل * لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني*

وفي قول الآخر:

*ولوْ أنّ ما بي من جَوىً وصبابةٍ * على جَمَلٍ لم يدخل النّار كافر*

قد نلاحظ فكرة غريبة لا يتصيّدها إلاَّ شاعر ذَكِيّ، فنُعْجَبُ بطرافتها، ولكنّنا مع ذلك نمُجُّها، لأنَّها تشتمل على دعوى كاذبة سخيفة.

أمَّا حين تكون الفكرة مبتكرة حلوة، وتكون الدَّعوى صادقة في أصلها، مضخَّمة مجسَّمة مبالغًا بها في صورتها الأدبيّة، فإنّ الكلام يكون حينئذٍ أرفع أدبًا، وأعلى كعبًا، وأوقع في النّفس.

هَلُمَّ فَلْنَلْحظ اجتماع الصدق والأدب الرفيع في قول الله تعالى في سورة (ق) :

{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (30) } .

إنَّ في هذه الآية حلاوة فكرة السؤال والجواب. وحلاوة الجواب الذكي الذي لم يكن مباشرة بصيغة: (لم أمتلاء) أو بصيغة (لا) مع كثرة الذين أُلقوا فيها. إنّما جاء على صغية سُؤال النَّهِم الشَّرِه طالب المزيد: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} ؟!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت