صيغة تدلُّ عليها، أو تركيب خاصٌّ يدل عليها، بشرط أن يكون المخاطب عارفًا بذلك ويفهمه دون كلٍّ ذهنيّ، ودون حاجة إلى تأمّل طويل.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة (المساواة) ويحسن استخدام هذه المرتبة في معظم الأحوال، ولا سيّما لدى كتابة صكوك العقود والمعاهدات، وكتابة المواد القانونيّة، وكتابة متون العلوم، والتعريف بالمباداء في نصوص معدّة للحفظ والتداول بين النّاس، ومن ذلك كثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قوله:
"اجتنبوا السبع الموبقات".
قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟.
قال:"الشرك بالله، والسحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقَذْف المُحْصنات المؤمنات الغافلات". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
المرتبة الثالثة:
هي مرتبة الكلام المبسوط، والكلام المبسوط هو ما لو حذف منه شاءٌ بالنسبة إلى حال المخاطب به لفهم المراد فهمًا تامًّا، دون كدٍّ ذهني، ولا تأمّل طويل، ولَمَا حدث لديه أيّ ارتباك فكريّ أو غموض، ولَمَا نقص لديه من الفهم شاءٌ.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِطناب) . إذا كانت الزيادة في الألفاظ ذات فائدة، وإلاّ كانت الزيادة من قبيل الإسهاب والتطويل.
وقد يحسن استخدام ما يدخل في هذه المرتبة من الكلام في دروس التعليم، وفي مجالس الوعظ العامّة، وفي الخطب التي تُلقى على جماهير، وفي بعض مجالس المؤانسة والمحادثة، وفي إلقاء القصص أو كتابتها، ولكنْ يشترط في ذلك أنْ لا يصل المتكلّم بالمخاطبين أو بالقرّاء إلى مستوى السأم و الْمَلَل، فبعد السأم والملل يكون الضجر، ثم النفور، وعندئذٍ يثمر الكلام عكس المقصود منه
الجهة الثالثة حول المعنى:
وهي جهة المعاني أنفُسِها وقِيَمها الفكرية والجماليّة.
(أ) إنَّ المعانيَ أنْفُسَها في أذهان النّاس ومقولاتهم تنقسم إلى أقسام خمسة:
(1) فمنها ما هو حقٌّ بلا ريب.
(2) ومنها ما هو باطل بلا ريب.
(3) ومنا ما يترجّح في الظن أنّه حق، وتختلف نسبة الرّجحان.
(4) ومنها ما يترجّح في الظن أنّه باطل وتختلف نسبة الرّجحان.
(5) ومنها ما هو واقف في المنطقة المتوسّطة تمامًا، وهي الأمور التي تكافأت قوتا النفي والإِثبات بالنّسبة إليها، فلا راجحة إلى جانب الحقّ، ولا هي راجحة إلى جانب الباطل، وهذه الحالة الذهْنِيَّة بالنّسبة إلى الأمور التي هي منْ هذا القبيل، يُطلِق عليها علماؤنا كلمة (الشّك) في اصطلاحهم، لكنّ كلمة الشّك في التعبير القرآني تعني غير هذا: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} أيْ: أفي إثبات وجود الله أيّ احتمال مهما كان ضعيفًا يُفْتَرَضُ معه أنْ لا يكون للكون ربٌّ خالق فاطر؟ إنّ هذا مرفوض بداهة.
(ب) وإنّ المعاني أنْفُسها تختلف بالنّسبة إلى أَفْهَام النّاس بُعْدًا وقُرْبًا.
* فمنها ما هو قريب منْ مدارك النّاس، سَهْلُ المأخذ، سَهْلُ الفهم.
* ومنها ما هو بعيد نسبيًا لا تتوصل إليه أفهام الناس ومداركهم إلاَّ بالتأمّل ودقّة الملاحظة، أو بقسط من البحث.
* ومنها ما هو عميق بعيد الغَوْر لا يصل إليه إلاَّ الأذكياء والنُّبهاء والعباقرة، أوْ الباحِثون المنقِّبون.
* ومنها ما لا تستطيع مدارك النّاس الوصول إليه أو الإِحاطة به، وقد أصبحت الآلات الإِلكترونية تقدِّم للعقول نتائج