القسم الثاني: المتنافر الصعب العَسِر النطق.
القسم الثالث: سيِّاء السَّبك ضعيف الإِنشاء.
القسم الرابع: معقَّد الترابط صعب الفهم.
والأديب البليغ رفيع الذوق، ذو الحسّ المرهف، المتمرّس بصناعة القول الرفيع، يحاول أنْ يكون كلامه سليمًا من أنْ يكون سيِّاء السبك، ضعيف الإِنشاء، ومن أنْ يكون معقّد الترابط صعب الفهم.
ويتحرّى أنْ يكون كلامه من القسم الأوّل (المتلائم المتناسق المتوائم السهل حَسَن السبك) .
ويبتعد جَهْدَ مستطاعه عمّا هو متنافرٌ صعب عَسر النطق، ويُولِي عناية للعناصر الجماليّة التالية:
(1) صياغة الجملة صياغة فنّية سَهْلَة الفهم، لا توقع فكر المخاطب بارتباك في ربط مفردات الجملة، ولا تُكَلِّفه مشقّة، حتى يفهم المراد منها.
(2) رصْف الجمل رصْفًا يثير الاستحسان والإِعجاب لدى المخاطب. وقد يحتاج هذا إلى التفنُّن في الجُمل، ما بين متوازنات طولًا وقصرًا أحيانًا، ـ وبين طويلة ومثل نصفها أو ثلثها أحيانًا أخرى، وبين ترك التوازن ليذهب الكلام مناسبًا. وقد يحسن التكرير في بعض هذه العمليّات.
ولا ضابط لمَواطن الجمال فيها إِلاَّ الحسّ المرهف الذوّاق للجمال الأدبي.
(3) وقد يَجْمُلُ بعض السجع غير المتكلَّف ولا المتصنَّع، بشرط عدم الالتزام به في كل الكلام.
(4) المحسِّنات البديعية اللّفظية التي تأتي مناسبة محبّبة غير متكلّفة ولا متصنّعة.
(5) فنون الشعر الذي له تأثير في أساليبه وموسيقاه على مشاعر كثير من النّاس.
ورجال الدّعوة إلى الله مطالبون بالعناية بهذه العناصر الجمالية الأدبيّة في دعوتهم، إذا خَطبوا، أو حاضروا، أو تحدّثوا، أو كتبوا، أو نظّموا شعرًا، أو ألّفوا مؤلفات علميّة، أو توجيهيّة، أو أدبيّة. وأنْ يُسَخِّروا أدبهم في خدمة الدّعوة إلى الله.
ثانيًا - ومن جهة الكثافة:
ينقسم الكلام إلى ثلاث مراتب، تُعرف عند علماء البلاغة بالإيجاز، والمساواة، والإِطناب، ولكلّ من هذه المراتب درجات متفاوتات.
وفهم المكثّف من الكلام يحتاج إلى ملكات ذهنيّة عالية، أو إلى تدريب ممارسة طويلة، وتعلّم على أيدي أهل العلم.
وتخفّ الكثافة ببسط الكلام وتمديده، ويتدرّج ذلك في سلَّم كثير الدرجات، ولكنْ ليس لدينا ميزان نزن به كثافة الكلام، شبيه بميزان الكثافة الذي توزن به السوائل، فالمرجع في تحديد الكثافة أذواق العلماء والأُدباء، وملاحظة سهولة استساغة الكلام من قبل العامّة أو عدم ذلك.
وباستطاعتنا أنْ نقسِّم مستويات الكثافة في الكلام إلى ثلاث مراتب، ولكلِّ من هذه المراتب الثلاث درجات متفاوتات.
المرتبة الأولى:
هي مرتبة الكلام الموجز المختصر. ولهذه المرتبة عدّة درجات ما بين شديد الكثافة، أي شديد الإِيجاز والاختصار حتى مستوى الرمزيّة، وما بين كثافة يتحمّل الإِنسان العادي فهمها ولكن بشيء من الممارسة والتدريب والتأمّل.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِيجاز) . وتستخدم هذه المرتبة لدى اختبارات الذكاء، ولدى مخاطبة الأذكياء وكبار القوم و أمرائهم، بشرط أنْ يكون المخاطب بها قادرًا على فهم المراد ولو بتأمُّل يسير، وبالنسبة إلى أحوال هؤلاء تداول الأُدباء قديمًا عبارة (البلاغة الإِيجاز) .
وتستخدم هذه المرتبة في الخلاصات العلمية التي يعدّها طلاّب العلم للحفظ، وتَذَكُّرِ المسائل العلمية بها.
المرتبة الثانية:
هي مرتبة الكلام الذي هو متوسط البسط، وضابطه فيما أرى أن يكون لكلّ فكرة يراد الدلالة عليها لفظ يدل عليها، أو