أحدهما: تكرار بعض الألفاظ أو الجمل.
و ثانيهما: تكرار بعض المعاني كالأقاصيص، والأخبار.
فالنوع الأول: يأتي على وجه التوكيد، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية، كالتهويل، والإنذار , التجسيم و التصوير و للتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه الأغراض البلاغية في الكلام، و من أمثلته في القرآن الكريم: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } الحاقة و قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) } المدثر وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} الرعد و قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العمى عَنْ ضَلالَتِهِمْ} النمل
والنوع الثاني: و هو تكرار بعض القصص و الأخبار يأتي لتحقيق غرضين هامين:
الأول: إنهاء حقائق و معاني الوعد و الوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها، و هي تكرار هذه الحقائق في صور و أشكال مختلفة من التعبير و الأسلوب، ولقد أشار القرآن إلى هذا الغرض بقوله: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} الثاني: إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ و العبارة، و بأساليب مختلفة تفصيلًا و إجمالًا، الكلام في ذلك حتى يتجلى إعجازه، و يستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه، إذ من المعلوم أن هذا الكتاب إنما تنزل للإقناع العقلاء، من الناس بأنه ليس كلام بشر، و لإلزامهم بالشريعة التي فيه، فلابد فيه من الوسائل التي تفئ بتحقيق الوسيلة إلى كلا الأمرين.
و من هنا كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ، و يدور ضمن قالب واحد من التعبير، بل لابد أن تجده في كل مرة يلبس ثوبًا جديدًا من الأسلوب، و طريقة التصوير و العرض، بل لابد أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة و لنضرب لك مثالًا على هذا الذي نقول: بقصة موسى عليه السلام إذ أنها أشد القصص في القرآن تكرارًا، فهي من هذه الوجهة تعطى فكرة كاملة على هذا التكرار.
وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعًا، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوبًا جديدًا و تخرج أخراجًا جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه، و تهدف إلى هدف خاص لم يذكر في مكان آخر، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل.
الخاصة الخامسة:
و هي تداخل أبحاثه، و مواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات و الكتب الأخرى من التنسيق و التبويب حسب المواضيع، و تصنيف البحوث مستقلة عن بعضها، و إنما يجد عامة مواضيعه و أبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما، وقد يجدها متداخلة في بعضها في كثير من السور و الآيات.
و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده، و استقلاله عن كل ما هو مألوف و معروف من طرائق البحث و التأليف.