الصورة البديعة في إطار نظم الآية المعجزة، فهل من ألفاظ اللغة العربية على كثرتها يؤدي ما أدته، و يصور ما صورته؟
قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} سورة الحاقة.
استعير في الآية الكريمة (الطغيان) للأكثر الماء بجامع الخروج عن حد الاعتدال و الاستعارة المفرط في كل منها.
ثم اشتق من الطغيان (طغى) بمعنى كثر.
استعارة فريدة لا توجد في غير القرآن إنها تصور لك الماء إذا كثر و فار و اضطرب بالطاغية الذي جاوز حده، و أفرط في استعلائه. أرأيت أعجب من هذا التصوير الذي يخلع على الماء صفات الإنسان الآدمي؟ ثم تأمل اللفظة المستعارة"طغى"إنها بصوتها و ظلها و جرسها إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الساحرة في إطار نظم الآية المعجز.
قال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} .
استعير في الآية الكريمة: (الصدع) و هو كسر الزجاج للتبليغ بجامع التأثير في كل منهما أما في التبليغ فلأن المبلغ قد أثر في الأمور المبلغة ببيانها بحيث لا تعود إلى حالتها الأولى من الخفاء، و أما في الكسر فلأن فيه تأثير لا يعود المكسور معه إلى الإلتئامه.
ثم اشتق من الصدع معنى التبليغ اصدع بمعنى بلغ، استعارة رائعة و جميلة إنها تبرز لك ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صورة مادة يشق بها و يصدع. إنها تتبرز لك المعنى المعقول في صورة حسية متحركة كأنها كأنك تراها بعينك و تلمسها بيدك. تأمل اللفظة المستعارة (اصدع) إنها بصورتها و جرسها و إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الفردية المؤثرة إذ أن من يقرأها يخيل إليها أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة تخيل لو استبدلت كلمة (اصدع) بكلمة (بلغ) ألا تحس أن عنصر التأثير قد تضاءل و أن الصورة الحية المتحركة قد اختفت و أن المعنى قد أصبح شاحبًا باهتًا؟
إن اللفظة المستعارة هي التي رسمت هذه الصورة في إطار نظم الآية المعجزة.
قال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا}
استعير في الآية الكريمة الموج (حركة الماء) للدفع الشديد بجامع سرعة الاضطراب و تتابعه في الكثرة ثم اشتق من الموج بمعنى الدفع الشديد (يموج) بمعنى يدفع بشدة.
إن هذه الاستعارة القرآنية الرائعة تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشادًا لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه من البحر الزاخر من حركة و تموج و اضطراب. تأمل اللفظة المستعارة أنها في إطار نظم الآية المعجزة قد استقلت برسم هذا المشهد الفريد بصوتها و جرسها و إيحائها.
قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
استعير في الآية الكريمة الظلمات للضلال بجامع عدم الاهتداء في كل منها .. و استعير النور بجامع الاهتداء في كل منها. و هذا المسلك الأدبي يسميه علماء البلاغة"الاستعارة التصريحية الأصلية".
هذه الاستعارة الفردية تجعل الهدى و الضلال يستحيلان نورًا و ظلمة. إنها تبرز المعاني المعقولة الخفية في صورة محسوسة، حية متحركة كأن العين تراها و اليد تلمسها.
تأمل كلمة (الظلمات) إنها تصور لك بظلامها الضلال ليلًا دامسًا يطمس معالم الطريق أمام الضلال فلا يهتدي إلى الحق ثم تأمل الدقة القرآنية في جمع (الظلمات) أنه يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضلال فلا يهتدون إلى الحق وسط هذا الظلام المتراكم.