{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا} فإن المستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والوجه هو الانبساط، فإن الطرفين حسّيان والوجه أيضًا حسّي، وهو استعارة مكنية؛ لأنه ذكر التشبيه وذكر المشبه لازم من لوازم المشبه به وهو النار من لوازمه الاشتعال.
الثاني: حسي لحسي بوجه عقلي: مثل قوله تعالى: {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ}
المستعار له الريح. والمستعار منه المرأة، وهما حسيان، والوجه المانع من ظهور النتيجة والأثر وهو عقلي وهو أيضًا استعارة مكنية وقال القزويني في الإيضاح: وفيه نظر، لأن العقم صفة للمرأة لا اسم لها ولذا جعل صفة للريح، لا اسمًا، والحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل والمستعار له ما في الريح من الصفة التي من المطر وإلقاح الشجر (والجامع لهما ما ذكر) وهو متدفع بالعناية، لأن المراد من قوله"المستعار منه"المرأة التي عبر عنها بالعقيم.
الثالث: معقول لمعقول: لقوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فالرقاد مستعار للموت، وهما أمران معقولان، والوجه عدم ظهور الأفعال، وهو عقلي والإستعارة تصريحية لكون المشبه به مذكورًا.
الرابع: محسوس لمعقول، كقوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} أصل التماس في الأجسام، فاستعير لمقاساة الشدة، وكون المستعار منه حسيًا، والمستعار له عقليًا، وكونها تصريحية ظاهرة، والوجه اللحوق وهو عقليّ.
الخامس: استعارة معقول لمحسوس: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ} المستعار منه التكبر والمستعار له الماء، والجامع الإستعلاء المفرط.
من روائع الاستعارة في القرآن الكريم
قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} سورة يس.
استعير في الآية الكريمة: (السلخ) وهو كشط الجلد عن الشاة و نحوها لإزالة ضوء النهار عن الكون قليلًا قليلًا، بجامع ما يترتب على كل منهما من ظهور شيء كان خافيًا، فبكشط الجلد يظهر لحم الشاة، و بغروب الشمس تظهر الظلمة التي هي الأصل و النور طارئ عليها، يسترها بضوئه.
و هذا التعبير الفني يسميه علماء البلاغة"الاستعارة التصريحية التبعية".
استعارة رائعة و جملية، إنها بنظمها الفريد و بإيحائها و ظلها و جرسها قد رسمت منظر بديعًا للضوء و هو ينحسر عن الكون قليلًا قليلًا و للظلام و هو يدب إليه في بطء.
إنها قد خلعت على الضوء و الظلام الحياة، حتى صارا كأنهما جيشان يقتتلان، قد أنهزم أحدهما فولى هاربًا، و ترك مكانه للآخر.
تأمل اللفظة المستعارة و هي (نسلخ) إن هذه الكلمة هي التي قد استقلت بالتصوير و التعبير داخل نظم الآية المعجز فهل يصلح مكانها غيرها؟
قال تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} استعير في الآية الكريمة خروج النفس شيئًا فشيئًا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلًا قليلًا بمعنى النفس، تنفس بمعنى خرج النور من المشرق عند انشقاق الفجر.
استعارة قد بلغت من الحسن أقصاه، و تربعت على عرش الجمال بنظمها الفريد، إنها قد خلعت على الصبح الحياة حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس، بل إنسانًا ذا عواطف و خلجات نفسية، تشرق الحياة بإشراق من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة، و هو يتنفس بهدوء، فتتنفس معه الحياة، و يدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض و السماء، أرأيت أعجب من هذا التصوير، و لا أمتع من هذا التعبير؟
ثم تأمل اللفظة المستعارة و هي (تنفس) أنها بصوتها الجميل و ظلها الظليل، و جرسها الساحر قد رسمت هذه