فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 183

فالأول تكافؤ والثاني طباق.

المقابلة: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

تعددت في هذا المثال الأضداد فمثلا مقابلة بين الله والطاغوت الذين آمنوا والذين كفروا الإخراج من النور إلى الظلمات ومن الظلمات إلى النور ولاية الله ولاية الطاغوت وجاءت فاصلة الآية في نهاية الكلام تؤكد المعنى الموجود في الآية.

الملحق بالطباق:

وقد يفهم الطباق بعد تدبر وتفكير مثال: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} قال ابن الأثير:"فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من المسببات عن اللين حسنت المقابلة بينهما وبين الشدة"ولكن الخطيب القزويني جعله من الملحق بالطباق. وجاء بمثال مشابه وهو قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}

فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ (ابتغاء الفضل)

الطباق والتشبيه المسلوب:

ولما كان الطباق أكثر الأساليب من علم البديع في القرآن فإنه كذلك دخل في التشبيه السلبي فقد عده الكثيرون ضربًا من الطباق فإن حديث القرآن عن الإيمان والكفر في سياق واحد وكذلك الطاعات والمعاصي والظلمات والنور والنفع والضرر، والرشد والغي والجنة والنار والسماء والأرض، والحسنات والسيئات، والحياة والموت وهكذا فإن المعاني المتضادة في القرآن كثيرة جدًا.

لذلك كان أسلوب الطباق أصيلًا في القرآن لم يجتلب تكلفًا أو ترفًا في الأسلوب بل من مقتضيات الأحوال.

{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}

نتائج مهمة (من أغراض الطباق)

من خلال الأمثلة السابقة وهي قليل من كثير تتبين الأمور الآتية:

أولًا: أن القرآن يستخدم أسلوب الطباق كثيرًا، وهي كثرة قد تفوق كل ألوان (البديع) وذلك في المجالات الآتية.

1 -العظة والاعتبار: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} "والشاهد في كلمتي قائم وحصيد. والعبرة من قصة هذه القرى."

2 -بيان قدرة الله مثال قوله تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} وقوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}

3 -التمييز بين نوعين مختلفين: كقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}

4 -تمثيل الحقائق تمثيلًا يتضمن المدح في وجه، والذم في أخرى وذلك كقوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فإن كونهم كانوا في الظلمات فيه ذم وخروجهم إلى النور مدح من خلال مطابقة الظلمات والنور.

5 -الكشف عن سلوك قوم ضلوا عن الحق ... كقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}

فإن أغراض الطباق كثيرة كثرة أمثلتها ولذا نكتفي بهذا القدر.

ثانيًا: أن القرآن يستخدم هذا الأسلوب في معان أساسية داخلة ضمن مقتضيات الأحوال. فهو يسمو بالطباق فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت