سادسًا: الأصوات التي تكون موضع اللفظ القرآني:
يقول الدكتور العمري:"والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس لأنها تلبس قطعة من المعنى"
1 -صوت النفس: أول الأصوات الثلاثة التي لابد منها في تركيب النسق البليغ حتى يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها، وبين هذه المعاني وصورها النفسية.
2 -صوت العقل: وهو الصوت المعنوي، الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى، لا يخطيء طريق النفس من أي الجهات انتمي إليها.
3 -صوت الحس: وهو أبلغهن شأنًا، ولا يكون إلا في دقة التصوير المعنوي، والإبداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان أو يسوق إليها من طرائق المعاني حتى يدعها من موافقته، والإيثار له كأنها هي التي تريده، هذا كلام جميل ولكنه لم يضرب أمثلة على ذلك ولا يتضح المقال إلا بالمثال ولذلك نسوق بعض الأمثلة من خلال تطبيق ما قاله الدكتور العمري
قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}
إن الذين يقرأ أو يستمع لهذه الآية الكريمة تحس نفسه وتناديه احذر النفاق الذي نهايته الظلام والعذاب فهذا صوت النفس عندما ننطر لهؤلاء ينادون المؤمنين يريدون قبس من نور يسيرون فيه على صراط مستقيم ليس لهم ذلك ويحال بينهم بسور من جهنم العذاب والنار.
أما صوت العقل: الذي يتدبر المعنى وينظر فيجد توسل المنافقين الشديد فلا يرد المؤمنون عليهم بل يأتيهم الرد (قيل) من غير المؤمنون ويكون الرد بأمر فوق طاقتهم وقدرتهم وهو {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} وقد فات الأوان فلا رجوع للدنيا حتى يعملوا صالحًا ينوّر لهم ويكسبهم هذا الحق. وجاءت الكلمات مثل وقع الصاعقة عليهم. وزاد الموقف صعوبة وشدة {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} وجاءت الفاء توحي بسرعة الرد تقمع نفوسهم وتغلق أبصارهم بهذا السور المضروب حتى لا يروا الرحمة، وينغمسوا في العذاب {لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} وما أجمل هذا التعبير فلم يقل باطنه فيه الرحمة وظاهرة فيه العذاب فإنه باب الجنة ولا يكون فيه عذاب ولكن قال (من قبله) أي في الجهة اليمنى المقابلة لهذا الباب وهي نار جهنم.
وأما صوت الحس: فإنه من مجرد سماع كلمة (المنافقون والمنافقات) يرجع لما في الذهن من مخزون صفات هؤلاء أن لهم ظاهرًا ولهم باطنًا الأول فيه الإيمان والآخر فيه الكفر والخداع فيطابق مع كلمات الآية {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} فهذا الباب له باطن وظاهر ولكن هذا الباطن مفارق لباطنهم فإن فيه الرحمة. وهذا الظاهر مفارق لظاهرهم فإن فيه العذاب، إنها مفارقه في الألفاظ فقد صدقت بواطن المؤمنين فكان لهم الرحمة. وقد كذبت ظواهر المنافقين فاستحقوا هذا الظاهر الذي فيه العذاب أنها صورة لا تدرك إلا بالحس وعمق التدبر والتفكر إن صوت الحس الذي يغوص في الألفاظ والمعاني والصور ومدلولاتها ومفارقة ألفاظها للظاهر حتى تصل إلى حقيقة الصورة فتراها واضحة جلية معبرة أصدق تعبير.
هكذا ينطلق صوت النفس يحدثها وصوت العقل يتدبر المعاني وصوت الحس يدرك الصور وما وراء الكلمات والمعاني بعمق ولطف.
المطلب الثاني
الآية القرآنية
الجملة القرآنية و صياغتها: