فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 183

إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك، و كأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها و تصورها الشعور و الخيال.

1 -تكونها

قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} قال أحمد أحمد يدوي في"بلاغة القرآن"ذلك خير ما توصف به الجملة القرآنية، فهي بناء قد أحكمت لبناته، ونسقت أدق تنسيق، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها أو تنبو عن موضعها، أو لا تتعايش مع أخواتها، حتى صار من العسير بل من المستحيل أن تغير في الجملة كلمة، أو أن تستغني فيها، أو أن تزيد فيها شيئًا ...

والجملة القرآنية تتبع المعنى النفسي، فتصوره بألفاظها، لتلقيه في النفس حتى إذا استكملت الجملة أركانها، برز المعنى، ظاهرًا فيه المهم والأهم فليس تقديم كلمة على أخرى صناعة لفظية فحسب، ولكن المعنى هو الذي جعل ترتيب الآية ضرورة لا معدى عنه، وإلا اختل وانهار. خذ مثالًا قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} تجد إسماعيل معطوفًا على إبراهيم، فهو كأبيه يرفع القواعد من البيت، ولكن تأخره في الذكر، يوحي بأن دوره في القواعد دور ثانوي، أما الدور الأساسي فقد قام به إبراهيم عليه السلام - كما قال صاحب الكشاف (قيل كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة) فقد جاءت الآية وكأنها كانت تستثني دور إسماعيل لثانويته، ثم ذكرته بعد أن انتهت من تكوينها.

وفي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإنك ترى تقديم المفعول هنا، لأنه موضع عناية العابد ورجاء المستعين، فلا جرم وهو مناط الاهتمام أن يتقدم كل ما يهتم به ويعنى

-وهذا قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} تجد المستعان عليه في الآية غير مذكور، لا تخفّفا من ذكره، ولكن ليوحي هذا الحذف إلى النفس أن كل ما يقوم أمام المرء من مشقة وما يعترضه من صعوبات، يستعان للتغلب عليه بالصبر والصلاة.

والآية القرآنية إما جملة أو عدة جمل والجملة في لغة العرب إما فعلية أو إسمية ولكل منها دلالتها واستخدامها والقرآن لم يخرج عن لغة العرب {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإن الجملة الفعلية في القرآن للدلالة على التجدد والحدوث والمراد بالتجدد في الماضي حصوله، وفي المضارع تكراره. تأمل ذلك في قوله تعالى على لسان إبراهيم {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فأتى في الخلق، بالماضي لحصوله مرة واحدة، وفيما عداه بالمضارع لتكرره طول الحياة، وتأمل قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تجد المضارع هنا دالًا على ما يتجدد من فعل الله في كل حين.

-أما الجملة الاسمية فإنها للثبوت والاستمرار مثل قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} تأمل هذه الآية وبيان الثبوت فيها والاستمرار في الجنة بالخلود فيها. ويتدرج هذا على القرآن كله.

2 -التلوين بين الجمل والآيات:

قد يتغير اتجاه الجملة تبعًا لتغير الاتجاه النفسي والخطاب في الآية القرآنية وهذا مثال جلي في فاتحة الكتاب {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فقد تلون الحديث هنا، وتغير اتجاه الجمل، فكان في الآيات الأولى حديثًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت