فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 183

لقد سمعت من محمد قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة ... و الله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم"."

و إليك سورة من سوره القصار تتجلى فيها هذه الحقيقة أمام العيان من ينكرها فكأنما ينرك الشمس في وضح النهار.

بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) }

تأمل هذه الآيات، و كلماتها، و كيف صيغت هذه الصياغة العجيبة؟ و كيف تألفت كلماتها و تعانقت جملها؟ و تأمل هذا النغم الموسيقي العذب الذي ينبع من هذا التالف البديع، إنه إذا لامس أوتار القلوب: اهتزت له العواطف و تحركت له المشاعر، و أسال الدموع من العيون، و خرت لعظمته جباه أساطين البيان، أشهد أنه النظم الإلهي الذي لا يقدر على مثله مخلوق.

و هذه الحقيقة توجد في سائر كتاب الله لا تتخلف في سورة من سوره و لا في آياته، و من أجل ذلك عجز أساطين البيان عن الإتيان بأقصر من مثله.

و في هذا يقول الرافعي رحمه الله:"و ذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم: يقرأ الإنسان طائفة من آياته، فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحس ترافد ما بعدها و تمده، و فلا تزال هذه الصفة في لسانه، و لو استوعب القرآن كله، حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها، أو نكرت منها، أو أبرزتها عن ظل هي فيه، أو دفعتها عن ماء هي إليه: و لا يرى ذلك إلا سواء و غاية في الروح و النظم و الصفة الحسية، و لا يغتمض في هذا إلا كاذب على دخله و نية، و لا يهجن منه إلا أحمق على جهل و غرارة، و لا يمتري فيه إلا عامي أو أعجمي و كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون" [إعجاز القرآن للرافعي: ص 206] .

الخاصة الثانية: هي أن التعبير القرآني يظل جاريًا على نسق واحد من السمو في جمال اللفظ، و عمق المعنى و دقة الصياغة و روعة التعبير، رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع و القصص و المواعظ و الحجاج والوعود والوعيد و تلك حقيقة شاقة، بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى فحول علماء العربية و البيان.

و بيان ذلك ان المعنى الذي يراد عرضه، كلما أكثر عموما و أغنى أمثلة و خصائص كان التعبير عنه أيسر، و كانت الألفاظ إليه أسرع، وكلما ضاق المعنى و تحدد، و دق و تعمق كان التعبير عنه أشق، و كانت الألفاظ من حوله أقل.

و لذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة و البيان هي ميادين الفخر و الحماسة و الموعظة و المدح و الهجاء، و كانت أقل هذه الميادين اهتمامًا منهم، و حركة بهم ميادين الفلسفة و التشريع و مختلف العلوم، وذلك هو السر في أنه قلما تجد الشعر يقتحم شيئًا من هذه الميادين الخالية الأخرى.

و مهما رأيت بليغًا كامل البلاغة و البيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات و المعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية ووقف دونها، غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، و تقرأ بعد ذلك مقطعًا في التشريع و أحكام الحلال و الحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق و البيان. و تنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها سامخة إليها. و دونك فأقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه، و موضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول، ولتلمس برهانه عن تجربة و نظر [من كتاب روائع القرآن: للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت