فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 183

يبرز بروزًا واضحًا في السور القصار و الفواصل السريعة، و مواضع التصوير و التشخيص بصفة عامة، و يتوارى قليلًا أو كثيرًا في السور الطوال و لكنه ـ على كل حال ـ ملحوظ دائمًا في بناء النظم القرآني. إنه تنوع موسيقي موجود في أنغامه و ألحانه.

و لعلنا لا نخطئ إن رددنا سحر هذا النغم إلى نسق القرآن الذي يجمع بين مزايا النثر و الشعر جميعًا يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب:"على أن النسق القرآني قد جمع بين مزايا الشعر و النثر جميعًا، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة و التفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة، و أخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية، و الفواصل المتقاربة في الوزن التي تغنى عن التفاعيل، والتقفية التي تغني عن القوافي، و ضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر و النظم جميعًا". [التصوير الفني في القرآن، سيد قطب] .

أقرأ معي الآيات الأولي من سورة النجم:

بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) }

تأمل الآيات تجد فواصل متساوية في الوزن تقريبًا ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متحدة في حرف التقفية تمامًا، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعًا و ذلك، و تبعًا لأمر آخر لا يظهر ظهر الوزن و القافية، لأنه ينبعث من تألف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، و مرده إلى الحس الداخلي، و الإدراك الموسيقي، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان. و الإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعًا لتوسط الجملة الموسيقية في الطول متحد تبعًا لتوحد الأسلوب الموسيقي و الإيقاع، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان.

و لا يعني هذا أن كلمة"الأخرى"أو كلمة"الثالثة"أو كلمة"إذن"زائدة لمجرد القافية أو الوزن، فهي ضرورية في السياق لنكت معنوية خاصة.

و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق لنكت معنوية خاصة،، وتؤدي تناسبًا في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذلك، أو نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه، أو عدلت في النظم أي تعدل.

و إن هذا النغم القرآني ليبدو في قمة السحر و التأثير في مقام الدعاء، إذا الدعاء ـ بطبيعة ـ ضرب من النشيد الصاعد إلى الله، فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلا إذا كانت ألفاظه جميلة منتقاة و جمله متناسقة متعانقة، و فواصله متساوية ذات إيقاع موسيقي متزن، و القرآن الكريم لم ينطق عن لسان النبيين و الصديقين و الصالحين إلا بأحلى الدعاء نغمًا , و أروعه سحر بيان، أن النغم الصاعد من القرآن خلال الدعاء يثير بكل لفظة صورة، و ينشئ في كل لحن مرتعًا للخيال فسيحا: فتصور مثلًا ـ و نحن نرتل دعاء زكريا عليه السلام ـ شيخًا جليلًا مهيبًا على كل لفظه ينطق بها مسحة من رهبة، وشعاع من نور، و نتمثل هذا الشيخ الجليل ـ على وقاره ـ متأجج.

العاصفة، متهدج الصوت، طويل النفس، ما تبرح أصداء كلماته تتجاوب في أعماق شديدة التأثير. بل أن زكريا في دعائه ليحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه و أساه خوفًا من انقطاع عقبه، و هو قائم يصلي في المحراب لا ينئ ينادي أسم ربه نداء خفيًا، و يكرر اسم"ربه"بكرة و عشيًا، و يقول في لوعة الإنسان المحروم و في إيمان الصديق الصفي: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت