فهرس الكتاب
فالرسول الكريم يبين في هذا الحديث الشريف الأمور التي يكرهها الله ويبغض أن يرى عليها عباده.
وأول هذه الأمور أن يسيء الإنسان إلى أولى الناس بالرعاية، وأحقهم بالعناية، ألا وهي (الأم) ، الأم التي حنت عليه فغذته بلبانها، وغمرته بحنانها، وآثرته على نفسها وراحتها، فشقيت من أجل راحته، وتعبت من أجل سعادته، وتحملت الأثقال والآلام في سبيل أن ترى وليدها زهرة يانعة تعيش بين أزهار الربيع، فكم من ليلة سهرت من أجل راحته، لتطرد عنه شبح الخوف، أو تزيل عنه ألم المرض، وكم من ساعة قضتها بين جدران البيت تحمله بين يديها، متعبة مثقلة لتواسيه في وقت شدته ومحنته، فهل يليق به بعد كل هذا أن يسلك طريق العقوق أو يجنح إلى الإساءة والعصيان؟! وصدق الله حيث يقول"حملته كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا .." [1] وذلك لعظم حقها على ولدها، وضخامة شأنها إذ هي السبب المباشر في حياة هذا الطفل بعد الله عز وجل ـ فلولا رعايتها وحنانها، ولولا تحملها المتاعب والآلام في سبيل تربية هذا الوليد الناشئ ـ لما تربى طفل ولما عاش إنسان!! فلا عجب إذا أن نرى العناية بالأم تبلغ ذروتها وأن تصل درجة أن يقول فيها الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -"الجنة تحت أقدام الأمهات"..
فمن أولى من الأم بالتعظيم والتكريم؟؟
وأما الأمر الثاني: الذي ينبغي اجتنابه فهو أن يكون الإنسان ظالما يمنع ما وجب عليه من حق، ويطلب ما ليس له به من حق، فهذا هو عين الظلم والعدوان، الذي عبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله (ومنعا وهات) فهناك تكاليف مالية وتكاليف اجتماعية واجبة على الإنسان، عليه أن يؤديها على الوجه المطلوب فإذا منعها كان ظالما.
وأما الأمر الثالث: مما يبغضه الله ويحرمه الدين فهو ذلك الأمر الشائن المتناهي في القبح والإجرام أو وهو (وأد البنات) فقد كان عادة شائعة عند العرب في أيام الجاهلية فمنهم من يُئد ابنته تخلصا من العار، ونهم من يئدها خشيه الفقر، ومنهم من يئدها سفها وحماقة حيث كانوا يقولون"الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالبنات"وفي أمثال هؤلاء يقول القرءان الكريم:"قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم" [2] .
وأما الأمر الرابع: الذي حذر منه الرسول الكريم والذي يبغضه الله ويمقته فهو كثرة القيل والقال، وكثرة الجدل والخصام، وكثرة الكلام تجر إلى الوقوع في المعاصي والمحرمات وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله"والذين هم عن اللغو معرضون" [3] .
وأما الأمر الخامس: فهو كثرة السؤال عما لا يعني الإنسان وعما ليس منه فائدة، فالمؤمن يشتغل بما يهمه ويدع ما لا يعنيه وقد قال صلوات الله عليه"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"
وأخيرا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن تبذير المال وصرفه في غير الوجوه المشروعة، فإن ذلك يدعو إلى الحسرة والندم،
(1) سورة الاحقاف، الآية: 15
(2) سورة الأنعام، الآية: 14
(3) سورة المؤمنون، الآية: 3