فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 183

ومن أنواع الإِنشاء الطلبي التّمنّي والتّرجّي:

أما التمنّي: فهو طلب أمْرٍ محبوبٍ أو مرغوبٍ فيه، ولكن لا يُرْجَى حصولُهُ في اعتقاد المتمنّي، لا ستحالته في تصوُّره، أو هو لا يطمَعُ في الحصول عليه، إذْ يراه بالنسبة إليه معذّرًا بعيد المنال.

والأدامة التي يُتَمنَّى بِها هي كلمة:"لَيْتَ".

وأمام التَّرَجِّي: فهو طلبُ أمْرٍ محبوبٍ أو مَرْغُوبٍ فيه، ممّا طالِبُهُ أنَّه مطموعٌ فيه، وهُو يترقَّبُ الظفر به، أو الحصول عليه، وقد ترد صيغته لمجرّد التوقع، ولو كان توقُّعَ أمْرٍ محذورٍ منه، ويسمَّى حينئذٍ إشفاقًا، مثل [لعَلَّ السّاعة قريب] .

ويستعمل في الترجّي كلمتان هما:"لَعَلَّ"و"عَسَى". وقد يُتَرجَّى بأداة الاستفهام"هَلْ"وبحرف"لو"فيما هو عزيز المنال مع إمكانه.

وعلى خلاف الأصل قد يُسْتعمل في التّمنّي:"هل"و"لَعَلَّ"و"عسَى"الغرض بلاغي، وهو إبرازُ المتَمَنَّى في صورة الممكن المطموع فيه، بغيةَ الإِشعار بكمال العناية به، والتلهُّفِ على الحصول عليه، أو تحقيقه.

وقد يُسْتَعمل في التّمني حرف"لو"لإِبراز المتمنَّى في صورة الممكن إلاَّ أنّه عزيز المنال يَصْعُبُ تحقيقه، إذْ حرف"لو"يُشْعِر بعزّة الأمرِ المرجوّ المطموع فيه.

وقد يُسْتَعْمَل في الترجي لفظ"ليت"الذي للتمنّي، لغَرَضٍ بلاغيّ، هو إبراز المرجوّ في صورة المستحيل أو المتعذِّر الْبعيد المنال، للمبالغة في بيانِ بُعْدِ الحصول عليه أو تحقيقه.

ويُلاحظُ أَنّ مجيّ عبارات الترجّي أو الدعاء في كلام اللهِ عزّ وجلّ هو على معنى أنّ مقتضى الحال يلائمه من البشر الترجّي أو الدعاء، فَقَوْل الله تعالى لموسى وهارون بشأن فرعون في سورة (طه.) : {اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } .

ينبغي أن نفهم الترجّي فيه على معنى: اذْهَبَا إلى فرعون راجِيَيْنِ وطامِعَيْنِ في أن يتذكّر أو يخشَى، إذ لو ذهبا إليه وهما يائسَانِ من استجابَتِه، لَمْ تندفعْ أنفسهما للقيام بمهمّةِ رسَالَتِهما على الْوَجْهِ الأمثَلِ المطلوب منهما.

أمثلة وتطبقيات:

* سبق في بحث النداء عرض طائفة من الأمثلة القرآنية التي فيها التّمنّي بأداة التمنّي"ليت"مسبوقةً بأداة النداء"يا".

* الذين اتّخذوا دينهم في الحياة الدنيا لهوًا ولعبًا، ونَسُوا كتاب الله تاركين له إذْ جحدوا به، وغرَّّتْهُم الحياة الدنيا وزيناتُها، يَتمَنَّونَ يوم القيامة أن يكون لهم شفعاء فيَشْفعوا لهم، أو أنْ يُرَدّوا إلى الحياة الدّنيا، ليعملوا غير الذي كانوا يعملون ممّا يُرْضي ربّهم عليهم.

دلَّ على تمنِّيهم هذا قول الله عزّ وجلّ في سورة (الأعراف) حكاية لمقالتهم يوم الدين: {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُو ا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) } .

جملةٌ"فهل لنا من شفعاء"وجملة"أو نردّ فنعمل غير الذي كنّا نعمل"هما من قبيل الإِنشاء الطلبي، والمطلوب فيهما من نوع تمنّي أمْرٍ محبوبٍ مرغوبٍ فيه لا يطمعون في الحصول عليه.

والأداة المستعملة هي"هل"الاستفهامية، إذ الاستفهام هنا مستعمل في التمني، لأنّهم يعلمون أنّه لا يشفع أحدٌ يومئذٍ إلاَّ بإذن الله، ويعلمون أنّهم لا يُريدّون إلى الحياة الدنيا، فقد طلبوا قبل ذلك الرجعة ساعة موتهم فزُجِروا ورُفِضَ طَلَبُهُمْ.

* ويتمنَّى الضالون الأتباع الذين أضلّهم المجرمون وهم يُعَذَبون في الجحيم، أن يرجعوا إلى الحياة الدنيا ليُؤْمِنُوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت