وهكذا تختلف أساليب الكلام، وكلُّ منها يناسب أهدافًا معيّنة، وأصنافًا معيّنة من النّاس، وأحوالًا خاصّةً للمخاطبين، ومُنَاخَاتٍ نفسيّةً عامّة، وقد يجتمع عدد من أساليب الكلام في كلام واحد حينما لا تكون متنافية، أو حينما يلائم بعضها بعضًا.
مثال:
ولتقريب فكرة اختلاف الأساليب البيانيّة التي يُتوخَّى منها تحقيق الغرض من الكلام، ويُرَاعَى فيها أوضاع المخاطَبين وأحوالهم، نضرب المثال التالي:
نضع في هذا المثال مطلبًا من المطالب التي قد يراد الإِعلام بها، بغية تحقيقها، ثم ننظر إلى طائفة من الأساليب الكلاميّة التي يمكن أنْ يُتَوَصَّل بها إلى الإِعلام بالمطلوب.
وهنا لا بدّ أنْ نرى من الأساليب ما هو ساذج صريح، يتناول الطَّلب مباشرة، ثمّ نرى من الأساليب من يدلّ على المطلوب دلالة غير مباشرة، ويُعْتَمَدُ فيها على ذكاء المخاطبَب وقدْرَتِه على إدراك المطلوب من خلال إشارات القول ومعاريضه.
ولنفرض أنَّ عددًا من النّاس كلُّ واحد منهم يُريدُ الحصول على كأس ماء يروي ضمأه، وهم متفاوتون في قدراتهم البيانيّة، وحاول كل واحد منهم الإِعلام بما يريده.
* أمّا الساذج منهم فيأمر أمرًا بإحضار كأس الماء الذي يريد بطريقة لا لِينَ فيه ولا حِلْيَة، وقد يكون هذا الأسلوب هو الأبلغ في مخاطبة بعض النّاس، وفي بعض الأحوال والأوضاع، لا سيما في طلب الأكبر من الأصغر، فالأسلوب البياني الأبلغ حينئذٍ هو الطلب بالأمر المباشر، والأوامِرُ العسكرية من القادة إلى الجنود قد لا يبنفع فيها إلاَّ مِثْلُ هذا الأسلوب المباشر الجاف، لمقتضيات التدريب على الانضباط العسكري، وكذلك شأن القرارات والمراسيم والأوامر التي توجّهها سلطات الحكم، ومن هذا الباب التكاليف الشرعية فيها أوامرُ ونواهٍ، مثل:"أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وافعلوا الخير، ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تسرقوا، ولا تزنوا"ومع ذلك فإنّنا نلاحظ معظم التكاليف الشرعية تقترن بتَطْرِيةِ الترغيبِ والترهيب، وبيانِ الحكمة، والتمهيد بالمقدِّمات، والتلطّف بالنداء التكريمي، مثل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ومثل: {ياعِبَادِيَ} .
* وترتقي من فوق الأمر المباشر الجافّ أساليبُ الإِعلام بالطلب، فيأتي أسلوب الطلب المقترن بما يشعر بتكريم المخاطب، ومن أمثلة ذلك في موضوع طلب كأس الماء"من فضلك أعطني ماء".
* ثمّ يأتي فوقه أسلوب الشكر على تحقيق المطلوب قبل تحقيقه، ومن أمثلة ذلك:"أشكرك على كأس الماء الذي ستقدّمه لي".
* ثمّ يأتي من فوق ذلك أسلوب التلميح والتعريض، ولهذا الأسلوب صور كثيرة، ودرجات بعضها أرقى وأعذب من بعض ومن أمثلة هذا الأسلوب:
(1) ماؤكم عذب لا يشبَعُ منه الشاربون.
(2) الحرُّ شديد يورث الظمأ.
(3) طعامكم طيِّب ولذيذ أكْثَرْنَا منه فألهب الأكباد.
وهكذا من أمثلة المعاريض التي لا تحصر.
أَلَسْنا نلاحظ أنّ الهدف المطلب تحقيقه واحد في كلّ الأساليب السابقة، إلاَّ أنّ الأساليب البيانيّة للإِعلام بالهدف قد تفاوتت تفاوتًا كثيرًا.
ومن أجل ذلك لا بدّ من النّظر إلى الأسلوب البياني ومرتبته من جهة، وإلى ما يَقْتَضيه الهدفُ وإلى وضع المخاطب وحاله من جهة أخرى.