واستفاضة رحمانية الله، وشمول رحمته، يجدها كل موجود في نفسه، وفيما حوله، ولهذا كان حمد الله واقعا بين هاتين الصفتين، كأنه تعقيب عليهما أولا، وكأنهما تعليل له ثانيا.
ويوم الدين: هو يوم الدينونة، أي الحساب والجزاء، وهو يوم يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» (17 - 18 - 19:الانفطار) .
ومجئ «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» معطوفا عطف بيان على «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» للإشعار بأن هذه الملكية ملكية رحمانية ورحمة، تضع موازين القسط للفصل بين الناس، حيث يثاب المحسنون، ويعاقب المسيئون، وهو عقاب فيه رحمة لهم، حيث يطهرهم من أدران الآثام التي علقت بهم، ليكونوا أهلا لمساكنة الملأ الأعلى.
من مقتضى حمد لله الذي استوجبه على عباده بربوبيته، ورحمته، أن يفرد بالعبودية، وأن يختص بالعبادة، فلا متوجّه إلا إليه، ولا لجوء إلا له، ولا معول إلا عليه. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ، فَادْعُوهُمْ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (194: الأعراف) .
والصّراط المستقيم: هو الطريق القائم على الحق والعدل، الموصّل إلى الخير والفلاح، لا يضل سالكه، ولا تتعثر له قدم فيه.
هذا بيان للصراط المستقيم ولأهله، الذين أنعم الله عليهم، فهداهم إليه، وأقامهم عليه، ثم بيان آخر للصراط المستقيم، وهو صراط لا يسلكه للمغضوب عليهم، الذين مكروا بآيات الله، وكفروا بنعمه، فضربهم بغضبه، وصبّ عليهم لعنته، وهو صراط لا يستقيم عليه من اتبع هواه، وعمى عن الحق الذي بين يديه! والمغضوب عليهم هم اليهود، وقد صرّح القرآن في غير موضع وفى أكثر من آية، بأنهم مغضوب عليهم من الله، فقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» (60: المائدة) وليس وصف اليهود بالمغضوب عليهم مانعا من إطلاق الوصف على كل من غضب الله عليه، فحاد عن الطريق المستقيم، وكذلك الشأن في «الضالين» باعتباره وصفا لكل من ضل طريق الحق والهدى.
وفى دعاء المؤمنين بأن يهديهم الله الصراط المستقيم، ويجنبهم صراط المغضوب عليهم، والضالين عن الطريق القويم- في هذا الدعاء غاية في تحرّى الطريق إلى الله، والتماسه مستقيما خالص الاستقامة، بعيدا عن مزالق المفتونين في دينهم، والمنحرفين عن سواء السبيل.