الصفحة 23 من 45

الدين إجلالًا لفضله لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع وعلي هذا لو التقى راكبان ومركوب أحدهما أعلى في الجنس من مركوب الآخر كالجمل والفرس فيبدأ راكب الفرس لما روي عن فضالة بن عُبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الفارس على الماشي، والماشي على القائم، والقليل على الكثير» [1] ، والمراد بالقائم أي المستقر في مكانه سواء كان جالسًا أو واقفًا أو مضطجعًا [2] . ويكتفى بالنظر إلى أعلاهما قدرًا في الدين فيبدأ الذي هو أدني الذي هو فوقه والثاني أظهر كما لا يظهر إلى من يكون أعلاهما قدرًا من جهة الدنيا إلا أن يكون سلطانًا يخشى منه، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما الذي يبدأ بالسلام لما روي عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» [3] ، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح من حديث جابر «الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل» [4] ، وأخرج أبو داود من حديث أبي أسامة مرفوعًا: «إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام» [5] ، والحديث سكت عنه المنذري وما سكت عنه المنذري فهو حسن وأما سلام القليل على الكثير فلفضيلة الجماعة أو لأن الجماعة لو ابتدءوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم وكأنه لمراعاة السن فإنه معتبر في أمور كثيرة في الشرع فلو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الأصغر أعلم مثلًا فيه نظر ولم أر فيه نقلًا والذي يظهر اعتبار السن؛ لأنه الظاهر كما تقدم الحقيقة على الجاز.

ونقل ابن دقيق العيد عن ابن رشد أن محل الأمر في تسليم الصغير علي الكبير إذا التقيا فإن

(1) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب الاستئذان والآداب: ب ما جاء في تسليم الراكب على الماشي 7/ 484، ح 2847، والبخاري في الأدب المفرد ص 146 ح رقم 995.

(2) فتح الباري 11/ 16. تحفة الأحوذي 7/ 482.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه: ك الأدب: ب الهجرة 10/ 492 ح رقم 6077 (فتح) ومسلم في صحيحه: ك البر والصلة والآداب: ب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي 4/ 1984 ح رقم 2560.وأبو داود في سننه: ك الأدب: ب فيمن يهجر أخاه المسلم 4/ 278 - 279 ح رقم 4911. والترمذي في سننه: ك البر والصلة: ب ما جاء في كراهية الهجر للمسلم 4/ 327 ح رقم 1932. وأحمد بن حنبل في مسنده 1/ 176 - 183، 3/ 110، 165، 199، 4/ 20، 7، 3، 5/ 146،421، 422.

(4) الأدب المفرد ص 146 ح رقم (993) .

(5) أخرجه أبو داود في سننه: ك الأدب: ب في فضل من بدأ بالسلام 14/ 103 ح 5175 (عون المعبود) . وأحمد بن حنبل في مسنده 5/ 254، 264، 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت