بواضح في الأول، فقد أطلق الأصحاب جواز سلام جمع النساء على الرجل، وكذا سلامه عليهن، بل يندب له ابتداؤهن به، ويجب الرد على إحداهن حينئذ، وعللوه كما في التحفة لابن حجر بأنه لا يخشى فتنة حينئذ، ومن ثم حلت الخلوة بامرأتين انتهى، وكأنه لم ينظر لتوهمها اكتفاء بكون ذلك ليس مظنة ذلك غالبا، إذ النساء عند اجتماعهن تنقطع الأطماع عنهن غالبًا، ولا كذلك المرأة مع جمع الرجال فيشترط في سلامهم عليها الأمن من الفتنة، والله أعلم [1] .
ويجوز تسليم جماعة النساء على جماعة الرجال، وجماعة الرجال على جماعة النساء- والجماعة هنا تطلق على أكثر من واحدة- كما يجوز تسليم الواحد من الرجال على جماعة النساء، والواحدة من النساء على جماعة الرجال، ما دامت الفتنة مأمونة.
روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كنا نفرح يوم الجمعة، قلت لسهل: ولمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسلُ إلى بضاعة -نخل بالمدينة- فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قِدرٍ وتكركِر [2] حبّات من شَعير، فإذا صلينا الجمعة انصرَفنا ونسلم عليها، فتقدمه إلينا، فنفرَخ من أجلِه، وما كنا نقيلُ ولا نتغدَّى إلا بعدَ الجمعة» [3] .
وفي صحيح مسلم عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟، قلت: أم هانئ بنت أبي طالب - قال: «مرحبًا بأم هانئ» فلما فرغ من غسله قام فصلى [4] .
قوله «وفاطمة تستره» أي عن العيون «فسلمت عليه» وجه الدليل عنه تقريره صلى الله عليه وسلم لأمن الفتنة إذ لو حرم سلام الأجنبية مطلقًا لبينه لها فيؤخذ من هذا الحديث سلام المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه، وأنه لا بأس بأن يكني الإنسان نفسه على سبيل التعريف إذا اشتهر بالكنية وأنه لا بأس بالكلام في أثناء الغسل والوضوء ولا بالسلام عليه. وجواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه إذا كان مستور العورة عنها وجواز تستيرها إياه بثوب ونحوه.
وروي عن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرّ على نسوَةٍ فسلم عليهن» [5] .
(1) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 5/ 333 - 334.
(2) تكركر: أي تطحن.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: ك الاستئذان: ب تسليم الرجال على النساء, والنساء على الرجال 11/ 33 ح 6248.
(4) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص 153 ح رقم 1046.
(5) أخرجه أحمد في مسنده 4/ 357 , 363، وابن السني ص 221.