ولْيُعلمْ أنَّ البحثَ ذا هو لطُلاب العلم, فهم أولوا الفَهْم, وأمَّا عامَّةُ الناس فالخِلافُ وشوارِدُهُ والتفصيلُ وطُرقُهُ هم منه في سِلْم, فلا يخوضونه إلا من قَصَدَهُ فتجشَّم فَهْمَهُ بِنَهَم, فلَعَلَّه يُدرِكُ ما استغلقَ واستعجم, على مُتعلِّمٍ له من الفقهِ سَهْم.
قال في تمام المنة (406) : (( وتأويلُ الحديث بالنهي عن صوم السَّبْتِ مُفرَدًا يأباه قولُه: «إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» فإنَّه كما قال ابنُ القيم في(تهذيب السنن) : (دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْع مِنْ صَوْمه فِي غَيْر الْفَرْض مُفْرَدًا أَوْ مُضَافًا, لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيل التَّنَاوُل, وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَتَنَاوَل كُلَّ صُوَر صَوْمه, إِلَّا صُورَة الْفَرْض، وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَنَاوَل صُورَةَ الْإِفْرَاد, لَقَالَ: لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْله أَوْ يَوْمًا بَعْده, كَمَا قَالَ فِي الْجُمْعَة, فَلَمَّا خَصَّ الصُّورَة الْمَاذُون فِي صَوْمهَا بِالْفَرْضِيَّةِ عُلِمَ تَنَاوُلُ النَّهْيِ لِمَا قَابَلَهَا) .
قلت: وأيضًا لو كانَت صورةُ الاقتران غيرَ منهيٍ عنها, لكانَ استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأنَّ شُبهةَ شمولِ الحديث له أبعدُ من شموله لصورة الاقتران فإذا استُثني الفرضُ وحدَهُ دلَّ على عدم استثناءِ غيرِهِ كما لايخفى. وإذِ الأمرُ كذلك فالحديثُ مخالِفٌ للأحاديث المبيحة لصيام يوم السَّبْتِ كحديث ابن عمرو الذي قَبْلَهُ, ونحوِهِ مِمَّا ذكره ابنُ القيم تحت هذا الحديث في بحثٍ له قيِّمٍ أفاضَ فيه في ذكْرِ أقوال العلماء فيه, وانتهى فيه إلى حملِ النهي على إفراد يوم السَّبْتِ بالصوم جَمْعًَا بينه وبين تلك الأحاديث وهو الذي مِلتُ إليه في (الإرواء) . والذي أراه -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هذا الجَمْعَ جيدٌ لولا أمرانِ اثنان: