وقال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 80) : (وَقَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَحَضَّ عَلَيْهِ, وَلَمْ يَقُلْ إنْ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَلاَ تَصُومُوهُ. فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ كُلِّ الأَيَّامِ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, صِيَامُ دَاوُد عليه السلام, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا» ... فَفِي ذَلِكَ أَيْضًا, التَّسْوِيَةُ بَيْنَ يَوْمِ السَّبْتِ, وَبَيْنَ سَائِرِ الأَيَّامِ. وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بِصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ ... وَقَدْ يَدْخُلُ السَّبْتُ فِي هَذِهِ, كَمَا يَدْخُلُ فِيهَا غَيْرُهُ, مِنْ سَائِرِ الأَيَّامِ) انتهى.
قد وقع ذلك في حَجَّة الوداع وذلك في آخِرِ عُمُرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أَخْرَجَه البُخَارِي (45) ومسلم (3017) من طريق طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عن عمر بن الخطاب: «أنَّ رجلًا مِنَ الْيَهُودِ قال له: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ؟! قال: أَىُّ آيَةٍ؟! قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} قَالَ عُمَرُ: قد عرفنا ذلك الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو قائم بعَرَفةَ يومَ جُمُعَةٍ» .
قلت: فهاهنا قد وقع يومُ عَرَفةَ في الجُمُعَةِ, ومع ذلك لم يُرشدِ الأُمَّةَ لا في ذلك اليومِ ولا بَعْدَهُ إلى أنَّه لايُصامُ إلا بِقَرْنِهِ بغيره إنْ وافق جُمُعَةً.
وأمَّا السَّبْتُ فإنْ لم يوافقِ الفضائلَ في عهده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا بعيدٌ! فيقينًا هو يعلم أنَّ الناس ستُبتلى به, ومع ذلك لم يُرشدهم لترك صومه, فعُلِم بهذا أنَّ الفضائل أقوى من الجُمُعَةِ والسَّبْتِ حيثُ أنَّها تُخصِّصُ النهيَ فيهما, واللهُ أعلَمُ.