وفي هذه الآية يقول ابن القيم [1] -رحمه الله-:(هذا من أحسن القياس التمثيلي فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المغتاب عاجزًا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبًا عن مجلس ذمه، كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن: كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه.
ولما كان المغتاب متمتعًا بعرض أخيه متفكها بغيبته وذمه، متحليًا بذلك شبه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه ... ) [2] .
وقال الرسول الله - - صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) [3] .
وكذا سوء الظن يؤدي إلى نشر النميمة، فهذا يظن ظنًا مشينًا يسير به بين الناس. وأمر النميمة خطير جدًا وقد حذرنا الله منها فقال تعالى: (( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) ) [القلم: 10 - 11] وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( لا يدخل الجنة نمام ) ) [4] .
6 -التحقير والسخرية: وهو أثر آخر لإساءة الظن فيسيء الظن ثم يحتقر ويسخر متناسيًا إثم ذلك ومغبته، قال تعالى: (( لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ... ) ) [الحجرات: 11]
وقال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) ) [5] .
7 -التحسس والتجسس: أمر قد يكون الحركة التالية للظن، وقد يكون حركة ابتدائية لمن كانت هوايته البحث عن الاستار والكشف عن العورات -والعياذ بالله-
والله تعالى نهى عن هذا العمل الدنيء فقال تعالى: (( ولا تجسسوا ) ) [الحجرات: 12] .
(1) ابن القيم: هو محمد بن أبي بكر بن أيوب ثم الدمشقي الحنبلي ولد سنة 691 وله مؤلفات عديدة منها زاد المعاد في هدي خير العباد، إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان أعلام الموقعين وغيرها (معجم المؤلفين 9/ 106) (البداية والنهاية 7/ 246)
(2) أعلام الموقعين 1/ 169 - 170 ـ.
(3) مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة 16/ 142، 70.
(4) مسلم كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة 1/ 142، 168.
(5) مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله 16/ 120 - 32.