فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 52

نعم من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها وتهذيبها وتقويمها عن تتبع أخطاء الناس وزلاتهم، ولما كان حاله كما ذكر أبو هريرة [1] -رضي الله عنه- (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عين نفسه) [2] .

وقال أبو حاتم [3] : (وإذا كان من السلامة ترك التجسس على عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره، أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، ومن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه، عمى قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه) [4] .

فإذا ظهر لأحد عيب في أخيه فعليه ستره، وعدم إشاعته وإذاعته، أو التكلم به في كل حين وفي كل مجلس.

وكل ذلك منهي عنه قال تعالى: (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ) [النور: 19]

وهذا تأديب لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ، فقام بذهنه شيء منه، وتكلم به، فلا يكثر منه، ولا يشيعه ولا يذيعه.

وتوعد الله من فعل ذلك بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وأمرهم برد الأمور كلها إليه ليرشدوا. [5]

وقال ابن تيمية-رحمه الله- (وفي الآية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان، ونهي عن أن يقول الإنسان ما ليس له به علم، لقوله تعالى:(( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ) [الإسراء: 36] والله جعل في فعل الفاحشة والقذف من العقوبة ما لم يجعله في شيء من المعاصي) [6] .

(1) أبو هريرة: اختلفوا في اسمه واسم أبيه على ثمانية عشر قولًا، وأشهرها عبد شمس بن عامر فسمي في الإسلام عبد الله، وكان له هرة صغيرة فكنى بها، وهو من أكثر المحدثين توفي سنة 57 هـ وقيل تسع وخمسين (صفة الصفوة 1/ 685) .

(2) الأدب المفرد للبخاري: 13.

(3) أبو حاتم: محمد بن حبان بن أحمد السبتي محدث حافظ مؤرخ فقيه لغوي واعظ من تصانيفه الثقات، المسند الصحيح في الحديث، معرفة القبلة توفي 354 هـ (تذكرة الحفاظ 3/ 920، سير أعلام النبلاء 1/ 166) .

(4) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: 125.

(5) تفسير ابن كثير 5/ 70.

(6) الفتاوى: 15/ 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت