رسول الله إذ جعل الانطواء على قدر من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم العبادي كافيًا للوصول إلى محبته سبحانه وإلى خير اليوم الآخر. وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى قصور الحالة البشرية لدى الناس عن أن تبلغ ما بلغته ذاته الشريفة في درجة التعبّد لله فقال:
(تكلّفوا من العمل ما تطيقون، فإنَّ الله لنْ يَمَلَّ حتى تملُّوا) البخاري ومسلم
وقال أيضًا:
(إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المُنْبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى) أخرجه الإمام أحمد والبيهقي
فالذي يغالب نفسه أبدًا على الطاعة، قد يصل به الأمرُ إلى أن ينقلب على عقبيه، حاله كحال الراكب الذي يُجْهد دابّته ولا يريحها، فيقضي عليها الجهد المتواصل في بعض الطريق، ويغدو صاحبها منقطعًا عن الوصول إلى الغاية التي كان يرجوها.
والمغالبة لا تكون فيما فرضه الله تعالى، لأنه لا سبيل إلى ترك الفرض، بل هي في النوافل، ولقد التفت أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى هذا الوجه العبادي التفاتة ذكية فقال:
إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت [1] فاحملوها على النَّوافل، وإذا أدبرت [2] فاقتصروا بها على الفرائض.
وقال: لا قربة بالنَّوافل إذا أضرَّت بالفرائض. [3]
وقد شهد جل شأنه لعبده ورسوله بأن كل ما يصدر عنه إنما هو منه سبحانه، فقال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [4]
أي أن القرآن الكريم وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاهما من عنده سبحانه ومن أمره، فقدّر لبعض شرعه أن يكون نصًا صريحًا في كتابه الكريم، لا يملك المسلم أمامه سوى الامتثال والالتزام، وقدّر للبعض الآخرأن يكون في
(1) - إقبال القلوب: رغبتها في العبادة
(2) - وإدبارها: مللها منها.
(3) - نهج البلاغة: للأمام علي بن أبي طالبب ج 4 ص 11
(4) - النجم: الآيتان 3، 4