الصفحة 99 من 134

يجيب على ذلك رب العالمين في الحديث القدسي:

( ... وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضْتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببْتُه كنْتُ سَمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردّدْتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءدته) رواه البخاري

فأداء الفرائض يفضي يوم القيامة إلى الجنَّة، أمَّا النوافل فإنّها تفضي إلى محبَّة الله تعالى، وتجعل المرء عبدًا ربّانيًّا تتجلّى في ذاته القدرة الإلهية ومن ثَمَّ تكون فاعلية سمعه وبصره ويده ورجله من فاعلية الله تعالى. هذا في الدنيا، أمَّا يوم القيامة فإن كرامة صاحب النوافل تجعله في أعلى علّيين مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين.

وقد أرشدنا جلّ شأنه إلى سبيل المحبة هذا في قوله:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليوم الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [1]

فمنهجه صلى الله عليه وسلم العباديّ يرسم لنا الطريق الأمثل المُفْضي إلى محبة الله تعالى، كيف لا وهو الحائز على لقب {أول العابدين} ؟

ومع ذلك فإن أحدًا ليس له أن يمتلك الحيثيات الاصطفائية التي انطوى عليها خاتم النبيين، أي أن أحدًا لا يستطيع أن يصل في تجرّده العباديّ إلى ما وصل إليه العبد الأول محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أشار جل شأنه إلى هذا المعنى في الآية السابقة بقوله {في رسول الله} أي فيما تضمَّن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: لقد كان لكم رسول الله أسوة. لأنه بهذه الصياغة يجعل الوصول إلى رضاه سبحانه وإلى خير اليوم الآخر مشروطًا بالانطواء على كلّ ما انطوى عليه رسول الله، وهو أمر لا سبيل إلى الوصول إليه، إذ ليس لأحد أن يكون كرسول الله قلبًا ونفسًا وجسدًا. ولذلك بسط الله تعالى رحمته للعباد بقوله في

(1) الأحزاب: الآية 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت