وهم أولئك الذين شهد لهم الله تعالى بأنهم أعلى درجة من المسلمين في قوله:
(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [1]
فالإيمان هو التصديق، والتصديق حالة معنوية تعتري القلب، فتجعله على يقين مما يُلْقى إليه. وحالة الإيمان هذه قابلة للازدياد عبر النظر والتدبُّر في آيات الله المسطورة والمنظورة، قال تعالى:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) [2]
فلم يبعث الله نبيًا ليقول للناس اتخذوني إلهًا من دون الله واعبدوني، إنما جاء ليقول للناس {كونوا ربّانيين} .
وكنا قد ذكرنا بعض ما قيل في تأويل هذه الكلمة في تفسير النسفي، ونزيد على ذلك بعضًا ممّا ورد في تفسير القرطبي:
قال ابن عباس: الربّاني هو الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كِباره؛ وكأنه يقتدي بالربّ، سبحانه، في تيسير الأمور.
وقيل إن الأصل هو كلمة {رَبِّي} فأُدْخِلَتْ الألف والنون للمبالغة، كما يُقال لعظيم اللحية لِحْيَاني، ولعظيم الرقبة رَقَبَانَيّ. [3]
فالنبي لا يدعو الناس إلى أن يجعلوه ربًّا، إنما يدعوهم ليكونوا من أهل هذه الصفة، تنتسب فاعلياتهم إلى فاعلية الرّب سبحانه وتعالى، وذكر لهم السبيل إلى هذه الغاية، وهو:
(بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)
(1) - الحجرات: الآية 14
(2) -آل عمران: الآية 79
(3) - تفسير القرطبي: ج 4، ص 122