الصفحة 13 من 134

فكانت البداية من طين الأرض، تُرِك مختلطًا بالماء إلى أن تغيرت رائحته، وظل متروكًا إلى أن جفَّ فأصبح صلصالًا ..

وأما ذريته عليه السلام، فقد هيأ لها جل شأنه خلقًا من الطين على هيئة غير هيئة أبيهم، وهو ما ذكره جل شأنه في قوله:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) . [1]

ولوكانت نفخة الروح عنصرًا من عناصر التسوية، لاكتفى جل شأنه بالفعل {سويته} ولكنه عطف نفخة الروح على فعل التسوية إشارة إلى أنها أمرغير قابل للتسوية، وإذا استحضرنا حقائق العقيدة، فسنجد أن كل خلق لابد له من الخضوع لفعل التسوية، لأن المخلوق مركب، وكل تركيب لابد له من أن يقوم على نظام من أنظمة التسوية.

أما الوحيد الذي لايخضع لفعل التسوية فهو الله الواحد الأحد، ولذلك جاء ذكر الروح بعيدًا عن فعل التسوية إشارة إلى أنها من ذات الله تعالى، ولهذا فإن {من} في قوله {من روحي} جاءت لبيان مصدر النفخة ولم تأت للتبعيض؛ لأنه سبحانه غير قابل للتبعيض.

وبالنظر إلى المحور الثالث، سنجد أن الملائكة لم تؤمر بالسجود لآدم عليه السلام قبل نفخة الروح، إنما جاءها الأمر بعد نفخة الروح، إشارة إلى أن سجودهم لم يكن سائغًا إلا بعد حلول الروح في الجسد المسوَّى.

وفي ظل الحقيقة القائلة بأن السجود لايكون إلا لله وحده لنا أن نقول إن السجود كان لروح الله الحاضر في ذات آدم عليه السلام.

وكان من لوازم نفخة الروح هذه التي استدعت سجود الملائكة أن يعلم آدم عليه السلام علمًا ليس للملائكة أن يعلموه. قال تعالى:

(1) - المؤمنون: الآيات 12، 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت