السلام لم تكن كلامًا، ومع ذلك لم تكن خالية من المعنى، بل كانت متضمنة على معنى عظيم، تجلى من خلال تأثيرها في هيئة الطين التي غدت كائنًا حيًا.
لقد كانت نفخة عيسى عليه السلام تشبه كل نفخة تصدر من أي إنسان؛ لأن النفخ هو إخراج للهواء من الرئتين عبر القصبة الهوائية وصولًا إلى الشفتين. فلماذا كانت نفخة عيسى عليه السلام سببًا في إلقاء روح الحياة في هيئة الطين ولا تكون لنفخات غيره من الناس ذلك التأثير؟
ربط جل شأنه فاعلية النفخ لدى عيسى عليه السلام بقوله {بإذني} وليس لأي ذات أن تطلب الإذن لأداء أمرٍ إلا إذا كانت قادرة على إتيان ما طلبت الإذن فيه، فأعطى الله تعالى الإذن للنفخة أن تؤدي تلك الفعالية الإحيائية، وأعطى الإذن للطين في هيئة الطير أن يستجيب لمراد نفخة عيسى عليه السلام فأصبح طائرًا حيًا.
أي أن كل إنسان يملك تلك الفعالية التي كانت لدى عيسى عليه السلام، ولكنها فعالية سلبية تحتاج إلى إذن مزدوج من رب العالمين، ولايتوفر ذلك الإذن للإنسان إلا إذا كان عبدًا خالص العبودية لله تعالى، وليس بعد خلوص عبودية الأنبياء خلوص.
إن فعالية الإحياء أمر خاص به سبحانه، ولذلك كان من أسمائه {الحي} ومن أوصافه {المحي} ولا تحتاج هذه الفعالية إلا لكلمة واحدة هى كلمة {كن} :
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [1]
فكان لنفخ عيسى عليه السلام في هيئة الطين نفس فاعلية كلمة {كن} من الله تعالى، ولم تتحقق له هذه الفاعلية إلا من خلال تعبيد طريق ذاته الآدمية من كل حفر والتواءات المعصية والغفلة عن ذكر الله تعالى، لتصبح طريقًا مُعَبّدًا، تمضي فيه مواكب القدرة الإلهية بسرعة فائقة، لتقف في ساحة الحالة الدنيوية، وهو ما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي:
(عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشئ كن فيكون) .
(1) - يس: الآية 82.