ثانيًا: محمَّد صلَّى الله عليه و سلَّم
إذا كانت عبودية المسيح عليه السلام لله تعالى قد هيأت له تلك الفعاليات التي تخطي بها نطاق قوانين الحالة البشرية المعلومة إلى نطاق قدرة الله تعالى، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد بلغ من ذلك درجة أعلى وأجل، لأنه أكثر عباد الله قربًا إليه سبحانه، يتجلى ذلك باللفظ الصريح والبيان الفصيح يوم القيامة، عندما يحجم أنبياء الله ورسله عن الشفاعة للخلق في موقف الحشر، فإذا وصل الطلب إليه صلى الله عليه وسلم انطلق وسجد تحت العرش، ليكون هو العبد الوحيد الذي يقبله الله لتلك الشفاعة.
وقد تجلّت فعالية القدرة الإلهية في ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم، فكان لا يصدر عنه قول إلا وهو متلبس بالحالة الإلهية، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وفيما يلي تفصيل لذلك:
أ - وما ينطق عن الهوى
كنا قد أشرنا إلى هذه الحالة فيما سبق، ولابأس من ذكرها مرة أخرى لمساهمتها في جلاء فاعلية عبد الله الكلامية.
إذا كانت الفاعلية الكلامية لدى عبد الله صلى الله عليه وسلم هى مايلقيه جل شأنه إليه من وحي، فليس لنا بأي حال من الأحوال أن ننسب قصورًا إلى هذه الفاعلية، وليس لها أبدًا أن تكون محصورة في إطار ما هو معلوم من القدرات البشرية، بل يجب أن تتجاوز ذلك لتتصف بما هو واجب لله تعالى.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة، الذي كان يكتب كل مايسمعه من رسول الله، فخشي أن يكون في بعض ما يكتبه ما يتعارض مع الحق:
(اكتب، فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق) رواه الدارمي.
إن الكلام إذا كان مرهونًا بالقدرات البشرية فإنه عرضة لأن يكون خطأ أو صوابًا، وأما إن كان مسندًا إلى الله تعالى فإنه لن يكون إلا حقًا، وها هو صلى الله عليه وسلم يقسم على أن فمه لا يخرج منه إلا الحق، فخرج بذلك من إطار الطبيعة