الصفحة 27 من 134

البشرية القاصرة إلى إطار الفاعلية الإلهية، ولم يتسن له ذلك إلا بعلو درجة عبوديته لله تعالى، وتعلّق ذاته الشريفة بالأمر الإلهي.

وكلامه صلى الله عليه وسلم محصور فيما ألقاه جل شانه على لسانه من كلمات القرآن الكريم أولًا، ومن أقوال حفظها المسلمون تحت اسم الحديث الشريف ثانيًا، فكان المؤمنون بذلك ملزمين باتباع ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم إنك إذا قلّبت النظر في الأحاديث النبوية فلن تجد فيها اختلافًا أو تناقضا ً، بل ستجد نظامًا هندسيًا راقيًا، يسري عليه ما سرى على القرآن العظيم من توافق وانسجام في التشريعات برغم كثرتها البالغة، قال تعالى:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [1]

وستجد أيضًا بيانًا متفردًا أعلن عنه صلى الله عليه وسلم في قوله:

(أُوْتيتُ جوامع الكلم) البخاري ومسلم.

بُنى الفعل {أوتي} للمجهول فحذف فاعله لفظ الجلالة، أي أن الله تعالى هو من آتاه هذه القدرة البيانية، ولذلك لم يبلغ أحد من أرباب الفصاحة والبيان ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان تفرُّده بهذه الدرجة البيانية العالية إشارة إلى أن الفاعلية التي كانت في قلبه وعلى لسانه إنما هى فاعلية القدرة الإلهية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولم يتيسّر له ذلك إلابسمو حالة العبودية لديه، والتي قام على إعدادها وتهيئتها رب العالمين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:

(أَدَّبَنِي ربي، فَأَحْسَنَ تأديبي) .

ب - النبوءات

لا يعلم الإنسان من الأحداث إلا ماكان أو ما هو كائن، لأنها في الحالتين واقعة في إطار ما يستطيع إدراكه، أو أن الخبر يأتيه عنها تحريرًا أو شفاهًا. وأما ما يكون في المستقبل فلا سبيل إلى الإطلاع عليه إطلاع يقين مثلما هو الشأن مع أحداث الماضي والحاضر.

(1) -النساء: الآية 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت