يسمعوه، وليس لنا أن ننفي هذا الظن، فهو شكل من أشكال الوحي كما أخبر صلى الله عليه وسلم. ولكننا ننفي استغراق هذا الوجه لمجمل ما كان يُلْقى إلى رسول الله من وحى، وشاهدنا على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
(إني قمت من الليل، فصليت ما قُدِّر لي، فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يامحمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يارب. أعادها ثلاثًا. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شئ وعرفت فقال: يامحمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال سلْ، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها وتعلموها) رواه أحمد والترمذي.
واستنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم
(يا عائشة، إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي) البخاري ومسلم
وقول ابن عباس رضي الله عنهما: (رؤيا الأنبياء حق) البخاري والترمذي.
فإن ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل كان حقًا، وهو أن الله تعالى وضع يد قدرته على صدرعبده ورسوله فانتقل قدر جليل من علمه سبحانه إلى قلب رسوله، مثلما يتلقى أحدنا العلم عن طريق حواسه، فيحفظه من ثم في قلبه.
أي أن الفاعلية الكلامية لديه صلى الله عليه وسلم كانت قائمة على العلم اليقيني الذي تلقاه عن ربه، فكانت هذه الفاعلية فاعلية إلهية لا فاعلية بشرية بسبب تحررها من قوانين الزمان والمكان التي تحكم الفاعليات البشرية.