-وقال صلى الله عليه وسلم:
(تحاجَّت الجنةُ والنارُ فقالت النار: أُوْثِرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لايدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم وغرتهم [1] ؟ فقال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، وأعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله تقول: قط قط [2] فهناك تمتلئ، ويُزْوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا آخر) رواه البخاري ومسلم إذا تأملنا الشواهد السابقة وجدنا ما يلي:
* إن العلم الذي انطوى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرج لنا بعضًا منه فيما عُرِف بنبوءات المستقبل، لم يكن علمًا محكومًا بقانوني الزمان والمكان، إنما هو علم امّحت معه الفواصل الزمانية والمكانية أمام قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم فأصبح الماضي والحاضر والمستقبل لوحة واحدة ينظر فيها مثلما ينظر أحدنا في لوحة الماضي والحاضر.
وهذه الحالة ليست حالة بشرية، لأن البشر في علومهم محكومون بقانوني الزمان والمكان، بل حالة إلهية، والله تعالى لا يحكم فاعلياته العلمية زمان أو مكان بل هو حاكمهما والقادر على التصرف فيها كيفما شاء.
وكان في اتصاف رسول الله عليه وسلم بهذه الصفة ما يشهد له بأرقى حالات العبودية، التي انقشعت معها ظُلَلُ القصور الآدمي، فجاء بيانه اللساني ترجمة لكل مساحات الاطلاع القلبي، الذي تيسر له من خلال عظم مساحة النور في قلبه وذاته صلى الله عليه وسلم.
* ... إن البعض قد يتوهم أن كل ماذكر من نبوءات رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان تلقينًا، يلقيه الملك إلى رسول الله من حيث لا يرى المسلمون ذلك أو
(1) - سقط الناس: الفقراء والضعفاء.، وغرتهم: الذين ليس لهم حذق في أمور الدنيا.
(2) - قط: حسبي وكافيني.