الصفحة 37 من 134

فكان الحمد قدرًا لازمًا له صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ومن عجائب هذا اللزوم أن المشركين كانوا إذا أرادوا أن يذموه في شعرهم لم يذكروه باسمه {محمد} بل يقولون: مذمّم، فحفظ الله اسم نبيه من أن يَرِدَ في معرض سبٍّ أو شتم أو مذمّة. وكانوا يحمدون أخلاقه حتى وهو يسفّه أحلامهم التي تعبد أصنامًا لا تضر ولا تنفع، فكانوا يلقبونه قبل الدعوة بالصادق الأمين، وبعد تجرده للدعوة إلى الله لم يتخلوا عن إيمانهم بصدقه وأمانته، فكانوا يُوْدِعون أماناتهم لديه، وقد ذكر جل شأنه إيمانهم بصدقه في قوله.

( .... فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) [1]

وهذا الذي ذكرناه من مضمون قدر كلمة {محمد} ما هو إلا إشارات بسيطة، أما المضمون الأجلُّ فهو الرحمة العظيمة التي أرادها الله تعالى بالعباد في الدنيا والآخرة، فجعل {محمدًا} صلى الله عليه وسلم سبيلًا لها، وهو قوله:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [2]

فإذا تحوّلنا إلى سيرة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وجدنا أن الكلمات التي كان يطلقها على بعض الأفراد تغدو قدرًا لازمًا لهم، ومن شواهد هذه الحالة ما يلي:

1 -أبو جهل

اسمه عمرو بن هشام، وكانت كنيته أبا الحكم، وكان من ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسلم المؤمنون من شره. فغيّر صلى الله عليه وسلم

كنيته من أبي الحكم إلى أبي جهل. والحكمة والجهل ضدان، فالكفر جهل والإيمان حكمة فكان إلصاق صفة الجهل بأبي جهل قَدَرًا حكم ذاته، فليس له أن يخرج عنه بأي حال من الأحوال، وقد كان بإمكانه أن يعلن إسلامه فينفي بذلك عن نفسه ما أُلصق به، ولكن هيهات هيهات، فقد وسمه بهذه السمة من لاينطق عن الهوى.

(1) - الأنعام: الآية 33.

(2) - الأنبياء: الآية 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت