الصفحة 66 من 134

* وَتَخْشَى النَّاسَ ...

ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم إلا أن يخشى الله تعالى، لأنه بلغ حدًا من العبودية لم يبلغه أحد سواه، وقد كان بالإمكان أن يتدخل جل شأنه في قلب عبده ورسوله حتى لا يقع فيما وقع فيه من خشية للناس، ولكنه سبحانه تركه لذاته الآدمية فكان منه ما كان؛ لتبرز من خلال ذلك كرامته في كونه بشرًا يعتريه بعض مايعتري الحالة البشرية، ويثبت له قدرًا جليلًا من الاستقلالية لا يملكه أكثر الملائكة قربًا من الله تعالى.

وقد اجتهد المفسرون في تأويل ما وقع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يحافظوا على معنى عصمة الأنبياء، ومن ثم ليصرفوا عنه صلى الله عليه وسلم أي مظهر من مظاهر القصور البشري، وواقع الأمر أنهم بذلك يحاولون أن ينفوا عنه الصفة البشرية المتصفة بالقصور ويثبتوا له الصفة الإلهية التي لا يعتريها أدنى قصور.

ولم يترك جل شأنه شواهد الحالة البشرية لدى رسوله الأعظم بدون بيان وتقييم؛ لأن الأمة مأمورة بأن تقتدي به صلى الله عليه وسلم، فأنزل سبحانه وتعالى قرآنًا يُتْلى، ويحمل في طياته تصحيحًا لما وقع فيه أول العابدين عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم.

2 -وقال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [1]

عن عائشة رضي الله عنها:

(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلًا، فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا مادخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل، إني أجد منك ريح مغافير [2] : أكلت مغافير؟ فدخل على

(1) - التحريم: الآية 1.

(2) - مغافير: جمع مفرده مغفور، وهى نبتة لها رائحة كريهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت