الصفحة 65 من 134

جاء ليقرَّ بجلاء ما بعده جلاء استقلالية {عبدالله} بذاته الآدمية عن فاعلية الذات الإلهية، وكنا فيما سبق قد بينا أن فاعليات {عبدالله} صلى الله عليه وسلم الجسدية والكلامية والقلبية إنما هى من فاعليات القدرة الإلهية التي تقول للشئ كن فيكون، ولكن الله تعالى لا يريد لأول العابدين أن يكون في إطار الحالة الملائكية التي لاتملك أدنى استقلالية عمّا هو واجب للعبد المطلق، بل أراد أن يحقق له كرامته البشرية بأن يطلقه في بعض الأحوال ليترجم هذه الحالة، فكان من بين هذه الترجمات في هذا الموضع:

* وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ

قابل جل شأنه بين أمرين: الإخفاء والإبداء، فأسند الأول إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وأسند الثاني إلى ذاته العلية جلّ وعلا، ولكننا نلاحظ أنه ذكر معنى الإخفاء في صورة الفعل، وذكر معنى الإبداء في صورة الاسم

{مُبْدي} وفي ذلك إشارة إلى فاعليته سبحانه وإلى فاعلية عبده ورسوله، إذ أن الفعل يفيد التجدد والاستمرار ويخضع معناه لاحتمال التبدُّل أو التوقف، بينما يفيد الاسم معنى الثبات الذي ليس له أن يتحول أو يتبدّل:

(فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [1]

ووجه ذلك البيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يخفي أمرًا لاح في قلبه، فأخفاه حينًا، ولكنه في النهاية لم يملك إلا أن يظهره. أما ربُّ العالمين فقد أراد أن يُبْدي أمرًا فعبَّر عنه بصيغة الاسم التي تفيد الثبات، فكان الإبداء أمرًا واقعًا لا مناص من وقوعه.

ولايليق بعبدالله صلى الله عليه وسلم أن يخفي أمرًا يعلم أن الله تعالى هو من أجراه، ومع ذلك فقد كان منه الإخفاء، وليس في ذلك انتقاص من قدره صلى الله عليه وسلم، بل هو من كمال شرفه ومقامه؛ لأن الله تعالى جعل له ذاتًا مستقلة تفعل أمرًا على غير فعل الله تعالى، في ظل كونه أول العابدين في السموات والأرض.

(1) - فاطر: الآية 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت