الصفحة 95 من 134

الثانية: اشتمال العبودية على دلالات لا يحملها معنى البنوّة؛ فاكتمال حالة التواصل بين الإنسان وربه تتقاصر البنوّة عن بلوغها، ولايبلغها إلا معنى العبودية.

النتيجة

إذا كان الآباء يملكون حق الأبوة؛ لأنهم هم أصحاب النطفة وهم من قام على التربية والرعاية، فإن الله تعالى أولى بحق الأبوة، لأنه هو من خلق النطفة وصاحبها، وقدَّر للإنسان كل مراحل البناء التي مر بها. وإذا كانت البنوة تفرضها الأحوال التي ذكرناها للآباء، فإن بنوّتنا لله تعالى هي الأصل وهي الحقيقة؛ لأن الذي أوجدنا هو الله تعالى، ولذلك نحن أبناؤه.

وإذا كان معنى البنوّة تحققه تلك المحبة المقدسة التي يجدها الآباء في قلوبهم، فإن الله تعالى أولى بهذه الصلة؛ لأن الحب الذي يحمله لعباده أعظم

من أن يحيط به وصف، بل أعظم من الحب الذي تحمله مخلوقات الأرض جميعًا بتسعٍ وتسعين ضعفًا.

وعلى ذلك فالعباد أبناء الله، ولكنها ليست بنوّةً كتلك التي يعلمها البشر من أحوالهم؛ لأنه سبحانه {لم يلد ولم يولد} بل هى بنوّة العبودية التي تنزاح معها العوائق المادية القاصرة، لتصبح الذات في إطار رباني يشير إليه قوله سبحانه في حديث قدسي:

(عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشئ كن فيكون) .

فجاء وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه {أول العابدين} ليرقى بذلك في مساحة {تكن مثلي} ولكنها ليست مثليّة الولد لوالده، إنما مثلية الذات التي تعبّدت أمام مواكب القدرة الإلهية، فكانت فعالياتها هى ذات فاعليات {كن} الموازية لكونه صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله وخاتم النبيين:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) . [1]

(1) - الأحزاب: الأية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت