الصفحة 94 من 134

أي أن قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) أراد به عزّ وجلّ أن عبده ورسوله محمد بلغ من درجة القرب والعبودية حدًا جعله أكثر استحقاقًا لأن يكون ولدًا له سبحانه، ولكنه عز وجل {لم يلد ولم يولد} ولذلك تم الانتقال من كلمة الولد إلى كلمة {أول العابدين} .

فقرن جل شأنه بين كلمتي {الولد، والعبد} لا شتمالهما على صفات مشتركة، فكلٌّ منهما يلحقه الخضوع والتذلل؛ الولد لأبيه، والعبد لسيده، وقد أشار جل شأنه إلى علاقة البنوّة بالعبودية في قوله:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) . [1]

فالتذلّل شرعًا لا يجوز إلا لله الواحد الفرد الصمد، ومع ذلك فها هو جل شأنه يُقر وجوب التذلل للأبوين، ولكنه سبحانه لم يجعله تذلل المملوك إلى مالكه بل تذلل الرحمة والرأفة {جناح الذل من الرحمة} . فصورة التذلل إلى الله وإلى الوالدين واحدة، ولكنها مع الله تذلل المملوك، ومع الأبوين تذلل الرحمة. فجمع جل شأنه في آية {أول العابدين} السياقين، وكأن الأصل كان كما يلي:

إن كان للرحمن ولد فأنا أول الأولاد. ولكنه سبحانه عدل عن كلمة الأولاد إلى كلمة {العابدين} ؛ ليفهم الناس من خلال المزاوجة بين الكلمتين أن الإنسان قد يصل من خلال علاقة المحبة بينه وبين ربه إلى ما هو أعلى وأجل من حالة البنوّة، وليس لهذا الوصول من وصف يوصف به سوى كلمة {عبد الله} وذلك لغايتين:

الأولى: عدم استغراق حالة البنوّة، لأن الناس قد يفهمون منها ذلك المعنى الذي يعلمونه من أحوالهم، وهو ماوقع فيه النصارى إذ نظروا إلى المسيح عليه السلام على أنه ابن لله.

(1) - الإسراء: الأيتان 23، 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت