فما معنى أن يصطفي الله عبدًا من عباده؟
قال تعالى
* (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [1]
* (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [2]
* (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) [3]
فكانت نتيجة الاصطفاء لكل هؤلاء أن جعلهم الله تعالى رسلًا وأنبياء إلا ما كان من شأن مريم، فقد كانت وعاءً لكلمة الله عيسى عليه السلام.
ولا يبلغ الرجل أن يكون نبيًا أو رسولًا لله تعالى إلا إذا كان متوفّرًا على قدر عظيم من الصفاء في القلب والنفس والجسد، أي أن الله إذا أراد أن يتّخذ ولدًا اصطفى من خلقه ذاتًا يرفع عنها كل مالا يليق أن ينسب إلى ذلك المتَّخَذ، ولذلك فإن هذا المصطفى سينطوي على قدر من فاعليات الله تعالى، ومن أعلاها أن يقول للشئ كن فيكون وهو ما أشرنا إليه فيما سبق.
ولأنه سبحانه لا يليق به أن يكون له ولد بالمعنى الذي يتداوله بنو البشر تم استبدال كلمة {ولد} مرّة بقوله {أول العابدين} وأخرى بقوله ... {اصطفى} إشارة إلى أن الاصطفاء للعبودية يجعل للمرء مقامًا عند ربه أعلى من مقام الابن عند أبيه، تمامًا كالذي عرضناه من بيان وصف رسول الله بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وفي شأن اصطفائه قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بنى هاشم) رواه مسلم
فكان محمد صلى الله عليه وسلم نتاج أربعة اصطفاءات متتالية، جعلته أعلى الذوات نقاءً وصفاءً، وبالتالي جعلته أول العابدين.
(1) - آل عمران: الآية 33.
(2) - الحج: الآية 75.
(3) - آل عمران: الآية 42.