الصفحة 92 من 134

لله تعالى. فلو قال في الآية الاولى: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا {لا تخذ} لكان البيان دالًا على إمكانية أن يتخذ الله ولدًا، وهى إمكانية غير مقبولة على الإطلاق؛ لأنه سبحانه لم يلد ولم يولد، فكيف يكون عرضة لاحتمال أن يكون له ولد؟ سبحانه وتعالى.

أما الآية الثانية فقد جاء جواب الشرط فيها بلفظ {لاتخذناه} وهو من جنس جملة الشرط، وفي ذلك إشارة إلى جواز هذه الحالة عليه سبحانه، فهوإذا أراد لهوًا كان له ذلك، ولكنه سيكون لهوًا آخر غير ما هو معهود لدى البشر، أي أن اللهو المراد سيكون مما يليق به سبحانه، كسائر الصفات التي يتصف بها الله تعالى، كالغضب والضحك والسمع والبصر .. وغير ذلك، فقد ورد في الأثر النبوي أن الله يضحك، ولكن ضحكه لن يكون كضحك البشر، بل ضحك آخر يليق بعظمته سبحانه، وهو أمر ليس لنا أن ندركه؛ لأنه يتبع حال الذات العلية، التي قال فيها سبحانه:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [1]

* أما الولد فليس لله أن يتخذه، ولذلك عدل سبحانه وتعالى في الآية الأولى عن قول {لا تّخذ} في جواب الشرط، إلى قوله {لا صطفى} فما معناها وما علاقتها بالسياق؟

اصطفى: على وزن افتعل، وأصل الطاء تاء {اصتفى} ، من الفعل صَفَا يصفو، فإذا قلت: صفا الماء، كان المراد خلوصه من الشواائب. فإذا زِيْد الفعل أَلِفًا وتاءً {اصْتَفى اصطفى} أفاد تكلف الأمر، أي أنه لم يحدث من تلقاء نفسه، بل أُجْريت له معالجة أفضت إلى حدوثه، ولبيان ذلك نمثّل له بالمثال التالي: نَقَلَ المدير فلانًا - انتقل فلانٌ.

فالذي تلبّس بالفعل في الجملتين هو فلان، و لكنه في المثال الأول لم يؤدِّ الانتقال من تلقاء نفسه، بل فُرِض عليه الانتقال من قِبل المدير، أما في المثال الثاني فإن الفعل {انتقل} أفاد أنّ {فلان} هو من أراد النقل لنفسه. وكذلك هو الفعل {اصطفى} أفاد أن الله تعالى هو من أراد حالة الصفاء هذه.

(1) - الشورى: الآية 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت